رسيني الرسيني
عبرت تجارة الأمم الطرق البحرية منذ قرون، ورافقتها مخاطر فرضت الحاجة إلى منظومة قادرة على حماية حركة البضائع وضمان استمراريتها. واليوم، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في عدد من الممرات البحرية، أصبحت القدرة على تأمين تلك المخاطر جزءاً من استقرار حركة التجارة وسلاسل الإمداد. وفي هذا السياق، وافق مجلس الوزراء على إنشاء الوعاء السعودي لتأمين أخطار الحرب للبضائع والسفن، في خطوة يمتد أثرها من قطاع التأمين إلى الاقتصاد الوطني. ومن هنا تبرز أهمية الوعاء كآلية وطنية متخصصة تعزز قدرة السوق على توفير التغطية في مثل هذه الظروف، وتدعم استمرارية حركة التجارة أمام تقلبات المخاطر وأسواق التأمين العالمية.
اقتصاديًا، تكمن إحدى أهم مزايا الوعاء في مفهوم بسيط يقوم عليه التأمين منذ نشأته، وهو تجميع المخاطر وإدارتها. فبدلاً من أن تتعامل كل شركة مع الأخطار الكبيرة بصورة منفردة، يجمع الوعاء قدرات شركات التأمين المشاركة ضمن منظومة واحدة، وتعمل تحت إشراف هيئة التأمين. وهذه القدرة تكتسب أهميتها عندما ننظر إلى حجم النشاط البحري السعودي، فقد تعاملت موانئ المملكة مع أكثر من 331 مليون طن من البضائع خلال عام 2024م، لذلك فإن وجود قدرة تأمينية وطنية قادرة على التعامل مع الظروف الاستثنائية ليس مسألة تخص شركات التأمين وحدها، وإنما عنصر داعم لاستمرارية حركة السلع والتجارة والنشاط الاقتصادي.
أما المكسب الآخر فهو ما يمكن أن يبنيه الوعاء داخل الاقتصاد نفسه. فكلما ازدادت قدرة السوق السعودي على تسعير المخاطر وإدارتها وتحمل الجزء الملائم منها، ازدادت إمكانية الاحتفاظ بجزء أكبر من الأقساط داخل المملكة، بدلاً من انتقالها بالكامل إلى أسواق إعادة التأمين الخارجية. ولا يعني ذلك الاستغناء عن السوق العالمي، فإعادة التأمين بطبيعتها صناعة دولية تقوم على توزيع الأخطار الكبيرة جغرافياً وبين رؤوس أموال متعددة، خصوصاً في أخطار الحرب التي قد تكون خسائرها مرتفعة ومتراكمة. لكن الفرق الاقتصادي يكمن في أن يدخل السوق السعودي إلى هذه المعادلة بقدرة أكبر على الاحتفاظ بالمخاطر وإدارتها محليًا، ثم ينقل إلى الأسواق الدولية ما يتجاوز قدرته أو ما يكون توزيعه عالمياً أكثر كفاءة، بدلاً من أن يكون الخارج هو نقطة البداية.
ولهذا ربما لا ينبغي قياس نجاح الوعاء مستقبلاً بحجم الأقساط التي سيجمعها فقط، وإنما بحجم القدرة التي سيبنيها داخل المملكة. فالقدرة التأمينية تعني رأس مال، لكنها تعني أيضاً خبرات في الاكتتاب والتسعير، وبيانات عن المخاطر، وقدرة على إدارة المطالبات، وعلاقات أكثر عمقاً مع أسواق إعادة التأمين العالمية، وهي عناصر تتراكم مع الوقت وتتحول إلى جزء من البنية في سوق التأمين السعودي الذي تجاوزت أقساطه 84 مليار ريال في 2025م، ولكن نضج السوق في مرحلته المقبلة لن يقاس بالنمو وحده، وإنما بقدرته على التعامل مع مخاطر أكثر تعقيداً. ومن هذه الزاوية، يمثل وعاء أخطار الحرب انتقالاً مهمًا من شراء الحماية التأمينية إلى بناء القدرة على صناعتها وإدارتها محليًا.
حسنًا، ثم ماذا؟
الاقتصاد الأكثر نضجًا هو الذي تنمو تجارته بالتوازي مع قدرته على استيعاب المخاطر وإدارتها، والوعاء خطوة في هذا الاتجاه.