د. خالد بن سالم الحربي
في زمن كانت فيه الشركات العملاقة تعتمد على الخبرات الأجنبية والعقود الاستشارية المكلفة، جاءت رؤية الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- مختلفة تماماً، حين أسس مع زملائه الشركة السعودية للصناعات الأساسية «سابك»، حيث اتخذ قراراً استراتيجياً جريئاً، وهو أن تكون المسؤولية كاملة في يد الشباب السعودي، لا عند موظفين ولا خبراء ولا مستشارين أجانب.
كان القصيبي، الذي أصبح وزيراً في الخامسة والثلاثين من عمره، يرى بعين الثقة ما لا يراه غيره. لم يكن يجد مبرراً يمنع شاباً في الثلاثين من تولي موقع قيادي، وكان واثقاً بأن القدرة على تحمل المسؤولية تأتي بالثقة أولاً، ثم تثبت بالإنجازات الملموسة على أرض الواقع. ولم يخطئ فقد أثبت كل الشباب حينها، بلا استثناء، أنهم كانوا على مستوى المسؤولية.
الثقة في بيئة العمل استثمار استراتيجي وليست ترفاً إدارياً. عندما يمنح القائد موظفيه الثقة، يزرع في نفوسهم شعوراً بالانتماء، ويتحول الموظف من مجرد منفذ للأوامر إلى شريك في النجاح. لكن الكثير من المؤسسات تعاني من «فوبيا التفويض» والخوف من أن يؤدي منح الثقة إلى أخطاء مكلفة.
تجربة سابك تعلمنا أن الثقة تسبق الكفاءة ثم تصنعها. فلم ينتظر القصيبي حتى يصبح الشباب «خبراء» بالمعنى التقليدي، بل راهن على قدراتهم ووفر لهم البيئة التي تتيح لهم النمو. وتعلمنا أيضاً أن تحمل المسؤولية يخلق النضج، فحين يشعر الشاب أن القرارات التي يتخذها لها عواقب حقيقية، فإنه ينمو أسرع بأضعاف مما لو بقي تحت إشراف مباشر.
الاستثمار في الكوادر الوطنية ليس واجباً وطنياً فقط، بل هو قرار اقتصادي ذكي، فالكفاءات المحلية التي تنمو داخل المؤسسة تكون أكثر التزاماً وفهماً للسياق المحلي، ولكن كيف نبني ثقافة الثقة في مؤسساتنا؟
الثقة الحقيقية تبدأ من القيادة، فالقائد الذي يمنح الثقة ويحاسب بشفافية ويجعل الأخطاء فرصة للتعلم، هو الذي يبني فرقاً قادرة على الإبداع والابتكار. أما القائد الذي يمسك بكل التفاصيل ويخاف من التجربة، فسيظل أسيراً للروتين والاعتماد على الغير. لكن لابد من وجود أنظمة واضحة للمحاسبة والتقييم، لأن الثقة العمياء قد تتحول إلى إهمال، أما الثقة الناجحة فهي تلك التي تمنح الحرية مع المسؤولية، وتوفر الدعم مع ترك مساحة للاجتهاد.
ما فعله الدكتور غازي القصيبي في تأسيس سابك لم يكن مجرد قرار إداري، بل كان فلسفة في القيادة وثقة في الشاب السعودي. لقد أثبت أن العائق الحقيقي ليس نقص القدرات، بل نقص الثقة، وأن التمكين ليس هبة تمنح، بل استثمار مهم للمستقبل. وتظل الثقة في العاملين هي الركيزة الأهم لبناء مؤسسات قادرة على المنافسة والاستمرار في زمن يتسارع فيه التغيير وتزداد فيه التحديات الاقتصادية. وكما قال القصيبي -رحمه الله-: «مع الثقة سوف تجيء القدرة على تحمل المسؤولية»، وهذه حقيقة لن تتغير مهما تطورت أدوات الإدارة.