م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
تعاملت الدولة مع الرياضة باعتبارها إحدى أهم أدوات القوة الناعمة في «رؤية السعودية 2030».. استضافة كأس العالم، والسوبر الإسباني والإيطالي، والفورمولا 1، والملاكمة العالمية، والاستثمار في أكبر الأندية.. الرسالة للعالم واضحة: السعودية بلد حيوي، مفتوح، آمن، وقادر على صناعة الفرح.. إلا أن التعصب الرياضي حوّل هذه القوة الناعمة إلى حالة من التناحر والتأليب والإرجاف ضد الدولة نفسها.. وهنا تكمن المفارقة الخطيرة التي يجب أن نتوقف عندها.
عندما تتحول مباراة كرة قدم إلى معركة، ويتحول قرار تحكيمي إلى مؤامرة دولة، ويتحول دعم نادٍ إلى ظلم لنادٍ آخر، فنحن لم نعد أمام رياضة.. بل أمام حالة تعبئة شعبية ضد مفهوم العدالة نفسه.. كل خسارة لفريقي تُفسَّر على أنها «الدولة ضدي»، وكل فوز لغيري هو «دعم من الدولة».. بهذه الطريقة، الرياضة التي أريد لها أن تحسّن صورة الدولة في الخارج، أصبحت بالتعصب تشوّه علاقتها مع مواطنيها في الداخل.
المشكلة في نظري ليست في الجمهور وحده، بل فيمن يقود هذا الجمهور.. فالإعلام الرياضي اليوم يقوده متوسّطو الثقافة والطموح، وقد أعماهم التعصب عن معرفة حدودهم.. شاشات وصفحات يتحدث فيها من لا يقرأ قانوناً ولا يعرف اقتصاداً ويعاني من قصور في النظر، فيقعون يومياً في محظورات خطيرة.. اتهام بالرشوة، وادعاء بالفساد، وكذب صريح، وتشهير بأشخاص.. وهي كلها أفعال يعاقب عليها القانون.. لكنهم مستمرون، لأن التعصب يدر مشاهدات، والمشاهدات تدر مالاً.. وهكذا تحوّل الإعلام من ناقل للعبة إلى محرّض عليها.
صندوق الاستثمارات العامة يملك أكبر أربعة أندية في الدوري السعودي، ويدعمها بسخاء تاريخي لم يحدث من قبل.. وهذا مشروع دولة عظيم، لكن المشكلة أن الصندوق لا يفصح عن مقدار دعمه لكل نادٍ.. كل جمهور يعتقد أن النادي الآخر حصل على أكثر، وكل صفقة تُفسَّر على أنها محاباة.. وفي غياب الرقم المعلن، يصبح التأويل هو الحقيقة.. ولو أعلن الصندوق ميزانية كل نادٍ بوضوح، لانتهى (90 %) من الجدل.. فالشفافية هي التي تحمي المشروع، لا الصمت.
المجتمع السعودي تاريخياً كان يرى أن «الكورة مضيعة وقت».. وتسعى الحكومة اليوم بكل قوتها إلى تصحيح هذا الانطباع، وربط الرياضة بالصحة والاقتصاد والترفيه والقوة الناعمة.. لكن الإعلام الرياضي المتعصب لا يساعد على ذلك.. فكيف تقنع أباً بأن يرسل ابنه إلى نادٍ، وهو يرى الشتائم والصراخ والاتهامات والتنابز بالألقاب كل ليلة على الشاشة؟ الإعلام المتعصب يعيد إنتاج الصورة القديمة نفسها.. أن الرياضة بيئة غير أخلاقية.
عدد الصفحات والقنوات والبرامج الرياضية هو الأكبر في البلد.. وهذا دليل على الشعبية الطاغية للرياضة، رغم النظرة التاريخية السلبية إليها.. وهذه الشعبية كنز، لو استثمرت بشكل صحيح، يمكن أن تكون أكبر منصة لتغيير السلوك ونشر الثقافة والانتماء.. لكنها اليوم تستثمر في الاتجاه المعاكس.. تقسيم المجتمع إلى معسكرات صفراء وزرقاء وخضراء، وكل معسكر يرى الآخر عدواً.
وصل التعصب إلى مرحلة عبثية حتى طالت المنتخب السعودي نفسه.. فهو يُحارَب من مشجعي الأندية التي لا يُستقطب منها لاعبون أكثر.. إذا لم يكن نصف المنتخب من ناديي، فأنا لا أشجع المنتخب.. وإذا خسر المنتخب، أشمت لأن ذلك يثبت أن القائمين على المنتخب ظلموا لاعبي ناديي.. لقد أصبح الانتماء للنادي أكبر من الانتماء للوطن.. وهذه هي قمة الخطورة.
الدولة استثمرت المليارات لتجعل الرياضة قوة ناعمة، لكنها لم تحسب حساب التعصب الأعمى الذي حوّلها إلى قوة هادمة.. والمطلوب إنقاذ الرياضة من خلال شفافية مالية كاملة من صندوق الاستثمارات العامة، وتطبيق صارم لنظام الجرائم المعلوماتية على الإعلام الرياضي المُتهِم بالكذب والتشهير، وإعادة تعريف دور الإعلام الرياضي ليكون جزءاً من مشروع القوة الناعمة، لا معول هدم له، وربط الرياضة بالوطن لا بالنادي.. فالمنتخب أولاً.
إن لم نفعل ذلك، سنكسب استضافة كأس العالم في عيون العالم، ونخسر بعضنا في عيون أنفسنا.