فائز بن سلمان الحمدي
إن في أعمار الأمم ساعاتٍ لا تشبه سائر الساعات، ومنعطفاتٍ لا تُقاس بما سبقها من الأيام؛ ساعاتٌ تتبدّل فيها مقادير الأشياء، وتُختبر فيها عزائم الرجال، ويبدو التاريخ كأنما قد خلع عنه رتابة السنين، وأصغى إلى وقع الخطى التي ستحدد ما بعد تلك اللحظة.
وفي مثل هذه الأزمنة لا يكفي أن يكون للرجل موقعٌ في الدولة؛ إذ قد تتسع المناصب لمن لا يتسع لهم التاريخ، وإنما يُعرف رجال المرحلة حين تثقل المسؤولية، وتضطرب الموازين، ويصبح على عاتق القيادة أن ترى أبعد من حاضرها، وأن تستخرج من الممكن مستقبلًا لم يكن ظاهرًا في حسابات الأمس.
ومن هذا المعنى تحديدًا يمكن النظر إلى تجربة سمو الأمير محمد بن سلمان؛ بوصفه رجلًا لم ينظر إلى المملكة العربية السعودية باعتبارها صفحةً مكتملةً من كتاب التاريخ، وإنما رآها كتابًا عظيمًا لم تُكتب صفحاته الأخيرة بعد؛ وطنًا عريق الجذور، راسخ المكانة، جليل الأمانة، لا يليق بمجدِه أن يُستعاد بالحديث عنه، بل أن يُستأنف بالعمل من أجله.
فالمجد الذي أورثه الآباء ليس ذريعةً للاكتفاء، وإنما مسؤوليةٌ تفرض على الأبناء أن يضيفوا إلى البناء ما يجعل الأمانة أثقل قدرًا، وأوسع أفقًا، وأبعد أثرًا. ومن هنا تتضح طبيعة الرؤية التي تحكم هذا المسار؛ فهي لم تتعامل مع المستقبل بوصفه زمنًا يأتي إلينا، بل بوصفه زمنًا ينبغي أن نذهب إليه ونحن نصنع شروطه.
فلم يكن السؤال: ماذا أبقت لنا الأيام؟ وإنما: ماذا نستطيع أن نترك للأيام؟ وبين السؤالين يتحدد الفرق بين أمةٍ تكتفي بأن ترث موقعها، وأمةٍ تنهض لتصنع موقعها؛ وبين قيادةٍ تدير ما هو قائم، وقيادةٍ تفتح لما هو آتٍ أبوابًا لم تكن مفتوحة.
غير أن الرؤية وحدها لا تصنع التحولات الكبرى؛ إذ لا بد لها من قيادةٍ تتحمل كلفة تحويلها إلى واقع. فالقيادة، في أرفع معانيها، ليست تقدمًا على الناس بقدر ما هي تقدمٌ في حمل أعبائهم؛ وليست أن يكون الرجل أول من يُرى، بل أن يكون أول من يتحمل ما يترتب على القرار من تبعات.
وكل قرارٍ وطني كبير لا ينتهي عند اللحظة التي يُتخذ فيها؛ وراءه أجيال، واقتصاد، وأمن، ومكانة، وفرص، وصورة وطنٍ يريد أن يضمن لأبنائه غدًا أوسع من أمسه. ومن يحمل شأن المملكة لا يحمل وطنًا عاديًا؛ فهو يقف عند ملتقى التاريخ والجغرافيا والحضارة والرسالة، ويحمل إرثًا لا يسمح بالتفريط، ومستقبلًا لا يقبل التقصير.
وإذا كانت القيادة هي القدرة على حمل المستقبل، فإن التحول هو الاختبار الحقيقي لقدرتها على ذلك. ولهذا لم يكن التحول السعودي في جوهره عمرانًا يمتد في الأرض فحسب، ولا مشروعاتٍ تتعاقب، ولا أرقامًا تتصاعد؛ فهذه كلها مظاهر لما هو أعمق منها. التحول الحقيقي يبدأ حين تتغير نظرة الإنسان إلى وطنه وإلى نفسه، حين يدرك أن المكانة ليست ميراثًا مضمونًا، وأن القدرة ليست هبةً مكتملة، وأن الأمم لا تنتظر اعتراف العالم بها، بل تبني أسباب ذلك الاعتراف في داخلها.
ومن هنا كانت استعادة الثقة بالقدرة الوطنية واحدةً من أعظم نتائج هذه المرحلة؛ ثقةٌ لا تقوم على وهم التفوق، وإنما على الإيمان بأن العمل المنظم، والطموح الواسع، والقرار المستقل، قادرةٌ على نقل الدولة من موقع التفاعل مع الأحداث إلى موقع التأثير فيها. وحين تنتقل الدولة من مجرد التفاعل مع الأحداث إلى التأثير فيها، يتغير بالضرورة معنى القوة وموقعها في السياسة.
ففي هذا السياق اتخذ معنى القوة بُعدًا أكثر نضجًا؛ فالقوة ليست مجرد امتلاك أدوات الردع، وإنما امتلاك القدرة على حماية القرار، وصيانة المصالح، وإدارة النفوذ بعقلٍ لا تستهويه المغامرة ولا تستدرجه الضغوط. فالدولة القوية ليست تلك التي تبحث عن الخصومة، وإنما تلك التي تستطيع أن تختار السلام من موضع القدرة، وأن تمد يدها للتعاون دون أن تمد يدها للتنازل عن سيادتها. وحين تجتمع المنعة بالحكمة، والعزة بالاعتدال، والقدرة بالمسؤولية، يصبح للدولة حضورٌ لا يحتاج إلى استعراض، وصوتٌ لا يحتاج إلى ارتفاع.
ومن هذا الفهم للقوة ينشأ مفهومٌ آخر لا يقل أهمية: استقلال القرار.
ومن هنا تتأكد مكانة المملكة في محيطها والعالم؛ إذ إن الدولة الواثقة لا تقيس وزنها بمدى رضا الآخرين عنها، وإنما بقدرتها على معرفة مصالحها والدفاع عنها، وبناء علاقاتها على الاحترام المتبادل، والتعامل مع القوى الدولية من موقع الدولة التي تعرف وزنها وتدرك ما تملك وما تريد. وليس الاستقلال في القرار انغلاقًا عن العالم، كما أن الانفتاح عليه ليس ذوبانًا فيه؛ وإنما هو أن تعرف الدولة كيف تكون جزءًا من العالم دون أن تفقد ذاتها، وكيف تتفاعل مع المتغيرات دون أن تصبح أسيرةً لها.
لكن قيمة التحول السياسي والاقتصادي لا تكتمل إلا حين يشعر به الإنسان الذي من أجله تُبنى الدولة. وعندما يرى المواطن أن وطنه يوسّع آفاقه، ويفتح أبوابه، ويمنح أبناءه فرصًا لم تكن متاحةً من قبل، فإن العلاقة بين القيادة والمجتمع ترتقي من مجرد الشعور إلى الثقة؛ والثقة لا تُطلب بالكلمات، وإنما تتكون حين يجد الناس أثر القرارات في حياتهم، ويرون أن الطموح الوطني لم يعد شعارًا بعيدًا بل مسارًا يتحول شيئًا فشيئًا إلى واقع. عندها يصبح نجاح الدولة شأنًا يمس كل بيت، وتصبح النهضة مشروعًا مشتركًا لا حكايةً تُروى من بعيد.
ومن هنا يمكن فهم معنى الوفاء الذي ينشأ في المجتمع تجاه القيادة والوطن؛ فهو في أرقى صوره ليس انقيادًا يلغي العقل، ولا عاطفةً تستغني عن الوعي، وإنما تعبيرٌ عن ثقةٍ نشأت من رؤية الفعل ونتيجته. والمحبة الصادقة للوطن لا تعني تعطيل البصيرة، بل تجعل البصيرة أكثر مسؤولية؛ لأن الوطن الذي نحبه لا يحتاج إلى التصفيق وحده، وإنما يحتاج إلى مواطنٍ يعرف قيمة ما يُبنى، ويدرك أن المحافظة على المكتسبات مسؤوليةٌ لا تقل عن صناعة المكتسبات.
ومع ذلك، فإن كل تحول كبير يرافقه جدل، وكل مرحلة مفصلية تستدعي أصواتًا متباينة؛ غير أن الجدل شيء، وحكم التاريخ شيء آخر. أما الضجيج العابر، مهما ارتفع، فلا يملك في نهاية الأمر سلطةً على التاريخ. فالتاريخ لا يحتفظ طويلًا بالأصوات التي علت ثم انطفأت، وإنما يحتفظ بالآثار التي بقيت بعد أصحابها. وما أكثر ما تبدو الخصومة في لحظتها أكبر من حجمها، ثم ينكمش ظلها حين تمر الأعوام؛ لأن الزمن يملك ميزانًا لا تميل كفته بالصخب، ولا ترجح فيه كثرة الكلام. وحين تهدأ العواطف وتسقط الزوائد، لا يبقى إلا السؤال الذي لا يمكن الاحتيال عليه: ماذا تغيّر؟
وهذا السؤال هو المعيار الأعدل الذي يمكن أن يُقاس به رجال الدول. لا كم قيل فيهم، ولا كم صُفقت لهم الأكف، ولا كم خاض الناس في أسمائهم؛ وإنما ما الذي وجدته الأجيال حين وصلت إلى المكان الذي عملوا من أجله؟ فإذا وجدت وطنًا أكثر اقتدارًا، واقتصادًا أكثر تنوعًا، وفرصًا أوسع، ومؤسساتٍ أكثر كفاءة، ودولةً أرسخ قرارًا وأرفع حضورًا، فقد تكلم الواقع بما تعجز عن قوله صفحات المديح. ومن هنا يصبح الحديث عن المجد نفسه مختلفًا؛ فليس المجد أن يملأ الرجل عصره باسمه؛ فالأسماء، مهما علا صداها، يطويها الزمن. المجد أن يترك في وطنه من الأسباب ما يجعل الذين يأتون بعده قادرين على بلوغ ما لم يكن ممكنًا لمن سبقهم. أن يجد طفلٌ حين يكبر أبوابًا كانت مغلقة، وأن يجد شابٌ مجالًا للطموح لم يكن متاحًا لجيله، وأن تنظر أجيالٌ لم تولد بعد إلى وطنها فتجد أن رجالًا سبقوها قد وسّعوا لها حدود الممكن؛ فذلك هو الأثر الذي لا يحتاج إلى حارس، لأن الحياة نفسها تتولى الشهادة له.
ولذلك فإن أعظم ما يُقال في رجلٍ من رجال الدولة ليس أنه كان عظيمًا في أعين معاصريه، وإنما أنه كان نافعًا في حياة وطنه؛ وأن الزمن حين مضى به لم يأخذ عمله معه. وهذا هو التحدي الأكبر أمام كل قيادةٍ تاريخية: أن تجعل الحاضر جسرًا لا محطة، وأن تجعل الإنجاز الذي يتحقق اليوم أصلًا لإنجازٍ أكبر غدًا، وأن يكون ما يُبنى في زمنها قادرًا على الاستمرار حين تتغير الوجوه والظروف. فامضِ يا محمد بن سلمان؛ فإن أمامك وطنًا لا يرضى لنفسه إلا مكانًا يليق بتاريخه، وشعبًا اتسعت رؤيته بقدر ما اتسعت أمامه آفاق وطنه، وأجيالًا ستقيس هذه المرحلة لا بما قيل فيها، وإنما بما وجدته حين وصلت إلى غدها. امضِ؛ فطريق التحولات الكبرى لا يخلو من كلفة، ولا تُبنى المكانة في عامٍ ولا تُصان بالنية وحدها. غير أن الرجال الذين يعرفون وجهتهم لا تجعلهم وعورة الطريق ينسون غايته، ولا تجعلهم مقاومة اللحظة أسرى لها. وما يُبنى اليوم ليس ملكًا لليوم. إنه وديعةٌ في يد الغد.
وسيأتي زمنٌ تصبح فيه أيامنا هذه صفحاتٍ في كتابٍ يقرؤه قومٌ لم نرَ وجوههم ولم نسمع أصواتهم. لن يعنيهم يومئذٍ كم كان الضجيج مرتفعًا، ولا كم اختلف الناس في تقييم المرحلة، ولا من صفّق ومن عارض؛ سيعنيهم شيءٌ واحد: أيُّ وطنٍ وجدوا؟
فإذا وجدوا وطنًا أكثر عزةً ومنعةً واقتدارًا، وشعبًا أوسع أملًا وأشد ثقةً بقدرته، واقتصادًا أكثر تنوعًا، وأبوابًا أكثر اتساعًا أمام أبنائه، ودولةً تعرف موقعها وتملك قرارها؛ فقد أجاب الوطن بنفسه، وسقط بعد ذلك كل جدل.
هناك، في تلك المسافة التي تفصل الإنسان عن صوته، ويبقى فيها عمله وحده شاهدًا عليه، يتجلى المعنى الأصفى للقيادة: أن يعيش الرجل لمرحلة، ثم تعيش المرحلة بعده في وطنه؛ أن يمضي الإنسان ويبقى أثره؛ وأن لا يكون أعظم ما يتركه خلفه اسمًا يتردد، بل وطنًا يزداد رسوخًا وقدرةً واتساعًا.
ثم يمضي الرجال، وتنقضي الأعمار، وتطوى الصحائف.
وتبقى الأوطان.
وفي شهادة الأوطان وحدها يعرف التاريخ من أحسن حمل الأمانة؛ لأن الرجال الذين يصنعون أثرًا لا يحتاجون إلى أن يطلبوا من الزمن أن يخلّد أسماءهم، إذ يكفي أنهم تركوا في حياة أوطانهم ما يجعل الزمن، مهما طال، مضطرًا إلى تذكّرهم.