نور الدين محمد طويل
نعيش اليوم مع طغيان الحياة اليومية، وانقلاب الموازين الأخلاقية، وفقدان الثقة النفسية والمعنوية، يكاد المرء يشعر بأنه لا يمكن أن يعيش حياة سعيدة دون أن ينسى ما يحدث في الحياة اليومية.
من منا من كان يظن أن شرذمة من الناس وهم الحوثيون في اليمن والذين لا يساوون سوى حفنة من التراب في الشعب اليمني يستطيعون السيطرة على تراب اليمن ويسقطون الشرعية في بلد عريق في تاريخه الطويل الذي كان له أثر كبير في التاريخ الإسلامي والعربي؟
إذا كانت الشعوب تتقاتل مع بعضها البعض فهي في الحقيقة ليس ذلك سوى دولة أخرى هي التي تؤجج الصراع بين الشعب الواحد لسفك الدماء وتدمير الممتلكات، وهذا ما نجده في اليمن بسبب التغلغل الإيراني فيها بدعم الحوثيين الذين هم جزء من المخطط الإيراني للاستيلاء على اليمن كما في حزب الله على لبنان والحشد الشعبي على العراق ومليشيا حرس الثوري الإيراني على سوريا وغيرها من المليشيات التابعة للنظام الصفوي الإيراني.
بعد ظهور الخميني لابسا ثوب الثورة المزعومة التي لم تكن معروفة لدى الكثيرين، ظن ضعاف الرأي وفاقدو البصيرة أنه يحمل بضاعة كبيرة، ولم يكن في أذهانهم أنه جاء لتدمير البلاد لنشر الفوضى وزرع الطائفية، وأكبر دليل على ذلك قيامه بأول حرب مع جاره وهو العراق.
وشهدت المملكة العربية السعودية أحداثاً إرهابية إيرانية على أراضيها أشدها زعزعة أمن الحج وضرب أهداف اقتصادية كما في تفجير أبراج الخبر من قبل حزب الله المدعوم من إيران.
المملكة العربية السعودية بقيادتها الرشيدة الحكيمة منذ تأسيسها لم تكن بعيدة عن دعم السلام والاستقرار في العالم كله بل هي من جعلت السلام شعاراً لها في سياستها دائماً.
فمن هنا بعد استيلاء مليشيا الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء بدعم من النظام الصفوي وإسقاط الحكومة الشرعية برئاسة عبدربه هادي منصور قامت المملكة العربية السعودية باستضافة الحكومة الشرعية في ممارسة الأعمال بالرياض.
وذلك أن اليمن ترتبط مع السعودية بعلاقات قوية من حيث الجوار والدين كل ذلك مما أدى إلى قيام السعودية بتلك المبادرة الطيبة.
ولم تكتف السعودية بذلك فقط بل قادت عاصفة الحزم لإعادة الأمن والاستقرار في اليمن.
لقد هددت الميليشيات الحوثية جنوب المملكة في إطلاق صواريخها لضرب المنشآت الحيوية إضافة إلى دور العبادة بتلك الصواريخ الإيرانية الصنع.
ففي هذه الأيام نرى أن التطورات الأخيرة تجاوزت الحدود حيث استهدفت الصواريخ والطائرات المسيرة أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وطالت منشآت مدنية واقتصادية، وأوقعت عشرات الإصابات بين المدنيين.كما استمرّ استهداف السفن التجارية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر.
وهنا لم تعد القضية مجرد فصل جديد من الحرب اليمنية، بل أصبحت اعتداءً مباشراً على الأراضي السعودية، وسيادتها وأمن مواطنيها، ومقدراتها الوطنية.
نسي الحوثيون أنه على مدى السنوات الماضية، منحت السعودية الحل السياسي فرصاً متعددة، وتعاملت مع التهدئة باعتبارها استثماراً في أمن اليمن والمنطقة، لا مجرد هدنة مؤقتة.
وكان الرهان أن يدرك الحوثي أن بقاءه مكوناً يمنياً لايمكن أن يتحقق عبر فرض إرادته بالسلاح على بقية اليمنيين، وأن مستقبله السياسي يمر عبر التسوية لا الصواريخ والمسيرات.
إن الرسالة الإنسانية، بل الأخوية التي قدمتها المملكة العربية السعودية بقيادتها الحكيمة إلى اليمنين صادقة وقوية جدا، وهي أن السعودية ليست عاجزة عن الرد بالمثل أو الأشد على الحوثيين، ولكن تدرك تماماً أن إيران التي جرت المنطقة إلى تدمير العراق ولبنان وسوريا واليمن إضافة إلى حربها مع أمريكا وإسرائيل في الأشهر الأخيرة تريد إدخال السعودية في صراع إقليمي ودولي بواسطة الحوثيين.
فمن يتأمل الموقف السعودي في الحرب اليمنية يدرك تماماً أن السعودية جهودها المتواصلة لدعم استقرار اليمن بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- يرى أن الحل في السعودية للمصالحة اللبنانية والاتفاقية الفلسطينية والأفغانية والإثيوبية الإريترية كلها، فعلى أرضها لأنها مملكة الإنسانية، وتمد يد السلام إلى من يحب السلام. وتقطع يد كل معتد أثيم.
** **
- إمام وخطيب المركز الثقافي الإسلامي بمدينة درانسي شمال باريس في فرنسا