أحمد الأسمري
في ذكرى البيعة، يسهل أن تتجه الكتابة إلى تعداد المنجزات والأرقام والمشروعات، وكلها جديرة بأن تُذكر. غير أن تجربة خادم الحرمين الشريفين تتيح زاوية أخرى مليئة بالدلالات: كيف التقت في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز جذور الدولة الراسخة مع أحد أكبر التحولات في تاريخها الحديث؟
فالملك سلمان ينتمي إلى جيل اقترب من البدايات الأولى للمملكة الحديثة، وعاش سنوات طفولته ومطالع شبابه في ظل والده الملك المؤسس عبدالعزيز، في مرحلة كانت الدولة ترسخ أركانها، ثم دخل مبكراً ميدان المسؤولية.
ومن الرياض، التي ارتبط اسمه بإمارتها عقوداً طويلة، راكم خبرة واسعة في إدارة الدولة والمجتمع، وعاصر عهود إخوته الملوك، وعرف تفاصيل المراحل التي مرت بها المملكة جيلاً بعد جيل.
والرياض نفسها كانت مدرسة سياسية وإدارية استثنائية. فقد رافق سلمان نموها من مدينة محدودة المساحة والإمكانات إلى عاصمة كبرى اتسعت رقعتها، وتزايد سكانها، وتنامت مؤسساتها وأدوارها، وتعامل خلال تلك العقود مع ملفات التنمية والمجتمع والإدارة وعلاقات الناس بالدولة. ولذلك تجاوزت تجربته حدود المنصب؛ كانت تجربة رجل رأى مجتمعاً كاملاً يتغير أمامه، وشارك في إدارة ذلك التغير.
وعندما تولى الحكم، جاء إلى قمة المسؤولية وهو يحمل عمق الذاكرة السياسية والإدارية للدولة. وربما هنا يمكن فهم إحدى السمات الأبرز في عهده: التمسك بثوابت المملكة، مع فتح المجال لتحول واسع في أدواتها واقتصادها ومجتمعها وطموحاتها.في كلمته الأولى بعد توليه الحكم منذ اثني عشر عاماً، أعلن الملك سلمان أن المملكة ستظل متمسكة بالنهج الذي سارت عليه منذ تأسيسها «ولن نحيد عنه أبداً». كانت العبارة موجزة، لكنها تصلح مفتاحاً لقراءة ما جرى بعد ذلك. فالثبات في المبادئ لا يعني الجمود في الوسائل، والمحافظة على هوية الدولة لا تمنع إعادة تشكيل مؤسساتها وأولوياتها بما يناسب زمنها.ومن أهم القرارات التي ستبقى مرتبطة بعهد الملك سلمان اختياره الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد، ومنحه الثقة والمساحة لقيادة مشروع التحول الوطني. وهنا ترسخت صيغة سعودية خاصة تجمع خبرة الدولة وطموح الجيل الجديد، وتحفظ الثوابت وهي تتجه بقوة نحو التغيير.
ومع رؤية السعودية 2030، دخلت المملكة مساراً متسارعاً أعاد ترتيب كثير من الملفات: تنويع الاقتصاد، وتوسيع فرص الاستثمار، وتمكين الشباب والمرأة، وتطوير قطاعات السياحة والثقافة والترفيه، ورفع كفاءة مؤسسات الدولة، وبناء مشروعات كبرى يتجاوز أثرها حدود الاقتصاد إلى تشكيل صورة جديدة للمملكة في العالم.
وفي قلب هذا التحول ظل الملك سلمان يمثل مرجعية الاستمرار؛ رجل عرف الرياض قبل أن تصبح واحدة من أهم عواصم المنطقة، وعاصر انتقال المملكة من مراحل التأسيس والبناء إلى زمن الحضور الدولي الواسع، ثم وضع ثقته في جيل يريد أن يأخذها إلى مرحلة جديدة.
وهذا ما يمنح ذكرى البيعة معنى أعمق. فالقادة لا يقاس أثرهم بما ينجز في أعوام حكمهم وحدها، وإنما أيضاً بالاتجاه الذي يضعون دولهم عليه للسنوات والعقود التالية. والملك سلمان جمع في تجربته بين أمرين لا يجتمعان دائماً بسهولة: ذاكرة طويلة تحفظ جذور الدولة، وشجاعة سياسية تسمح للمستقبل بأن يتقدم.
وبين عبدالعزيز الذي أسس الكيان، وسلمان الذي حمل كثيراً من ذاكرة ذلك التأسيس، ومحمد بن سلمان الذي يقود اليوم مشروع الغد، نقف أمام دولة مقتدرة تعرف من أين جاءت، وتعرف إلى أين تريد أن تذهب.