سعدون مطلق السوارج
ليست كل السنوات سواء؛ فبعضها يمر على الروزنامة ثم ينقضي، وبعضها يمر على وطن فيترك وراءه تحولًا لا يمكن قراءة الحاضر من دونه. وفي مسيرة الدول الكبرى، لا تُقاس قيمة السنوات بعددها، وإنما بما تضيفه إلى قدرة الدولة على حماية مكتسباتها، وتوسيع خياراتها، وصناعة مستقبلها.
ومن هذه الزاوية، تأتي الذكرى الثانية عشرة لتولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، مقاليد الحكم، بوصفها محطة لقراءة مرحلة سعودية واسعة؛ مرحلة لم تتوقف عند إدارة الحاضر، بل أعادت ترتيب العلاقة بين التاريخ والتنمية، وبين الإنسان والاقتصاد، وبين أصالة الدولة وقدرتها على استشراف المستقبل.
واللافت في هذه المسيرة أن شخصية الملك سلمان لم تبدأ مع توليه الحكم؛ فقد سبقتها عقود طويلة من التجربة في إدارة الدولة والمجتمع والمدينة. فمنذ أن تولى مسؤولياته في إمارة الرياض شابًا، ثم امتدت تجربته لعقود، تشكلت أمامه صورة الدولة من تفاصيلها اليومية إلى مشروعاتها الكبرى، ومن عمران المدينة إلى مؤسساتها وخدماتها.
وتذكر المصادر الرسمية السعودية أنه تولى إمارة الرياض وهو في التاسعة عشرة من عمره، ثم ارتبط اسمه على مدى عقود بمراحل متتابعة من تطور العاصمة، حتى غدت تجربته في إدارة المدينة جزءًا من الذاكرة الإدارية والتنموية للمملكة.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التجربة: الرجل الذي تولى قيادة المملكة لم يدخل الدولة من باب الحكم وحده؛ بل دخلها من باب التجربة الطويلة في تفاصيل المجتمع والإدارة والمدينة والتاريخ.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تحمل الرياض جانبًا واضحًا من الرؤية التي ارتبطت بإدارته؛ فقد كان تطوير المدينة مشروعًا يتجاوز تشييد المباني والطرق إلى صناعة مدينة حديثة تحتفظ في الوقت نفسه بملامح هويتها. ومن هذه التجربة تبلورت نظرة إلى التنمية باعتبارها امتدادًا للمكان، لا قطيعة معه؛ وهو ما جعل العمران والهوية والتاريخ عناصر متجاورة في مسيرة واحدة.
وعندما انتقلت المملكة إلى مرحلة التحول الوطني الأوسع، جاءت رؤية السعودية 2030 لتمنح هذه الرؤية إطارًا وطنيًا شاملًا يقوم على الأهداف والبرامج والمؤشرات، ويجعل الإنجاز قابلًا للقياس لا مجرد وعد للمستقبل. ومع دخول الرؤية مرحلتها الثالثة، انتقلت المملكة إلى مرحلة جديدة عنوانها تعظيم ما تحقق، وتسريع أثره، وتحويل المكاسب إلى قدرة مستدامة للأجيال القادمة. ويؤكد التقرير السنوي للرؤية لعام 2025 أن 93 في المائة من المؤشرات المفعلة والمقاسة حققت مستهدفاتها أو اقتربت منها، فيما بلغت نسبة المبادرات المكتملة أو التي تسير على المسار الصحيح 90 في المائة.
ولعل الأرقام هنا لا تحتاج إلى كثير من البلاغة؛ فهي تتحدث بلغة أكثر صرامة. فقد وصل الاقتصاد غير النفطي إلى نحو 55 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ونما بنحو 4.9 في المائة خلال 2025، فيما انخفض معدل البطالة إلى 7.2 في المائة مقارنة بـ12.3 في المائة في 2016، واستفاد أكثر من 222 ألف مواطن من برامج التوظيف التي نفذها صندوق تنمية الموارد البشرية حتى نهاية 2025.
لكن قيمة التحول لا تختصر في الاقتصاد وحده؛ فالدولة التي تصنع المستقبل لا تبني اقتصادًا فقط، وإنما تبني الإنسان القادر على حمل هذا الاقتصاد. ولذلك أصبح المواطن السعودي، رجلًا وامرأة، شابًا وكبيرًا، في قلب التحول؛ من التعليم والتدريب إلى العمل وريادة الأعمال، ومن الخدمات الرقمية إلى جودة الحياة.
وفي هذا المجال تبدو المؤشرات أكثر دلالة: فقد دخل الذكاء الاصطناعي ضمن مقررات التعليم العام، ودُرّب أكثر من 13 ألف معلم على تطبيقاته، وتجاوز عدد المتدربين في المنصة الوطنية للتطوير المهني 470 ألفًا، فيما وصل عدد الطلبة السعوديين في أفضل 200 جامعة ومعهد عالمي إلى أكثر من 28.4 ألف طالب. وهنا يصبح الاستثمار في الإنسان جزءًا من بنية الدولة المستقبلية، لا ملفًا منفصلًا عن التنمية.
والاقتصاد كذلك لم يعد يُقرأ من زاوية النفط وحده؛ فقد بلغت الصادرات غير النفطية نحو 622.87 مليار ريال في 2025، بينما أظهر تقرير رؤية السعودية 2030 أن قيمتها بالدولار بلغت نحو 166 مليار دولار، مقابل 64.6 مليار دولار في 2016. كما تقدمت المملكة إلى المرتبة 17 عالميًا في تصنيف التنافسية وفق المؤشر الوارد في تقرير الرؤية، مقابل المرتبة 39 مستهدفًا لعام 2025.
هذه ليست أرقامًا منفصلة؛ بل أجزاء من صورة أكبر: دولة تنتقل من اقتصاد يعتمد على مورد رئيس إلى اقتصاد أوسع قدرة على إنتاج الفرص، ومن الإدارة التقليدية للخدمات إلى منظومة رقمية أكثر اتصالًا بالمواطن، ومن تنفيذ المشروعات إلى بناء منظومة تقيس أثرها ونتائجها.
وفي قلب هذا التحول بقيت العناية بالمكان والإنسان والتاريخ حاضرة. ومن الدلالة اللافتة أن مركز الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها تأسس بموافقته في جامعة الملك سعود، ليكون فضاءً للبحث في تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها؛ وكأن الاهتمام بالمستقبل لا يكتمل إلا بمعرفة الجذور التي صنعت الدولة والمجتمع.
وهذه المعادلة نفسها تظهر في خدمة الحرمين الشريفين، وفي الارتقاء بتجربة ضيوف الرحمن، وفي العناية بالقرآن الكريم؛ إذ بلغت جوائز مسابقة الملك سلمان المحلية لحفظ القرآن وتلاوته وتفسيره في نسختها الثامنة والعشرين تسعة ملايين ريال، في امتداد لمسار يجمع بين العناية بالهوية وبناء الإنسان.
وإذا كان الداخل يشهد هذا الحجم من التحول، فإن صورة المملكة خارج حدودها تكشف جانبًا آخر من ثقلها الإنساني والدولي. وحتى نهاية أغسطس 2026، نفذ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية 4,457 مشروعًا في 113 دولة، بقيمة تجاوزت 8.57 مليارات دولار، في مجالات شملت الأمن الغذائي والصحة والإيواء والمياه والتعليم والحماية والتعافي المبكر.
وهنا لا تصبح المساعدات مجرد أرقام؛ بل تتحول إلى صورة أخرى من صور حضور الدولة، حين تقترن القوة الاقتصادية بالمسؤولية الإنسانية، وحين يصبح أثر التنمية قابلًا لأن يتجاوز حدود الوطن إلى الإنسان أينما كان.
إن قوة التجربة السلمانية لا تكمن في كثرة ما يمكن عده من مشروعات، وإنما في أن السنوات تحولت إلى منظومة متراكمة من القرارات والخبرات والنتائج؛ حتى أصبح التحول السعودي مشهدًا متكاملًا، يرى المواطن أثره في اقتصاده وخدماته وتعليمه ومدنه وفرصه، وتراه المؤشرات في تنوع الاقتصاد والتنافسية والاستثمار، ويراه العالم في الحضور السياسي والاقتصادي والإنساني للمملكة.
ومن هنا تبدو السنوات الاثنتا عشرة أكبر من أن تختصر في قائمة إنجازات؛ فهي تكشف عن طريقة في إدارة التحول تقوم على الجمع بين رسوخ الدولة وسرعة التطوير، وبين حماية الهوية والانفتاح على المستقبل، وبين استثمار ثروات الأرض والاستثمار في الإنسان.وهنا تحديدًا، تصبح شخصية الملك سلمان امتدادًا لمسيرة دولة لا تبدأ من لحظة ولا تنتهي عند مشروع؛ دولة تعرف قيمة ما بناه المؤسسون، وتعرف في الوقت نفسه أن المحافظة على الإرث لا تكون بتجميده، وإنما بتحويله إلى قوة تدفع الأجيال الجديدة إلى الأمام.وفي التاريخ، لا تبقى السنوات لأنها مرت، بل لأنها غيّرت ما بعدها.
ولهذا فإن اثني عشر عامًا من عهد الملك سلمان ليست رقمًا يضاف إلى سجل الزمن، ولا مناسبة تنتهي بانتهاء يومها؛ إنها صفحة جديدة في تاريخ دولة استطاعت أن تحمل إرثها معها وهي تتقدم، وأن تجعل من الحاضر جسرًا إلى مستقبل أكثر اتساعًا.
فأعظم ما يتركه القائد في تاريخ وطنه ليس أثرًا يُنظر إليه من بعيد، بل دولة تمضي إلى الأمام وهي أكثر قدرة على صناعة تاريخها بنفسها.
وهنا، حين تتحول السنوات إلى بناء، لا يعود الزمن عدّادًا للعمر؛ بل يصبح شاهدًا على وطنٍ كتب من إنجازاته تاريخًا جديدًا.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي