د.شريف بن محمد الأتربي
اثنا عشر عامًا مرت على بيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله- لكنها في عمر الأوطان ليست مجرد اثني عشر عامًا من الزمن؛ بل هي مرحلة كاملة من التحول، انتقلت فيها المملكة من مرحلة البناء المتدرج إلى مرحلة إعادة تعريف موقعها في العالم، ومن اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على مورد واحد إلى اقتصاد يسعى إلى تنويع مصادره، ومن دولة تنظر إلى المستقبل إلى دولة تعمل على صناعته.
ولعل أهم ما يميز هذه السنوات أن المملكة لم تكن تتحرك في بيئة هادئة أو مستقرة؛ فقد جاءت هذه المرحلة وسط إقليم مضطرب، وصراعات سياسية وأمنية متلاحقة، وتغيرات اقتصادية عالمية، وجائحة غيرت شكل العالم، ثم أزمات في الطاقة وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى تحولات جيوسياسية عميقة ما زالت المنطقة والعالم يعيشان آثارها.
وفي مثل هذه الظروف، لا تقاس القيادة بكثرة القرارات، وإنما بقدرتها على معرفة متى تتقدم، ومتى تتأنى، ومتى تحافظ على الثابت، ومتى تعيد بناء المتغير؟
وهنا تكمن إحدى أبرز سمات قيادة الملك سلمان بن عبد العزيز.
فالملك سلمان، بما يحمله من تجربة سياسية وإدارية طويلة، لم يتعامل مع التحولات باعتبارها اندفاعًا نحو المجهول، وإنما باعتبارها انتقالًا محسوبًا نحو المستقبل. حافظ على ثوابت الدولة واستقرارها، وفي الوقت نفسه فتح المجال أمام تحول واسع في الاقتصاد والمجتمع والإدارة ومختلف قطاعات التنمية.
لقد كانت الحكمة في هذه المرحلة أن التغيير لم يكن هدفًا بذاته، وإنما وسيلة لبناء دولة أكثر قدرة على المنافسة وأكثر استعدادًا للمستقبل.
ومن هنا جاءت رؤية المملكة 2030 بوصفها مشروعًا وطنيًا يتجاوز فكرة البرنامج الاقتصادي؛ فهي إعادة صياغة شاملة لطريقة التفكير في الاقتصاد والتنمية، والإنسان، والموارد، والفرص.
والأهم أن هذه الرؤية لم تبقَ وثيقة إستراتيجية على الورق، بل تحولت إلى مشروعات وبرامج ومؤشرات وأهداف قابلة للقياس، وإلى ثقافة عمل جديدة داخل أجهزة الدولة.
وفي ظل هذه المسيرة، برز دور الأمير محمد بن سلمان-حفظه الله- ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، بوصفه الذراع التنفيذية الأبرز لهذا التحول؛ فكان قريبًا من تفاصيل المشروع، سريعًا في اتخاذ القرار، واضحًا في تحديد الأولويات، ومؤمنًا بأن المملكة لا تستطيع أن تنتظر المستقبل حتى يأتي إليها، بل عليها أن تذهب إليه.
وهنا تظهر واحدة من أجمل صور التكامل في القيادة: ملك يحمل خبرة الدولة وعمقها، وولي عهد يحمل طاقة المستقبل وأدواته.
فلم تكن العلاقة بين الحكمة والطموح علاقة تعارض، بل تكامل؛ الحكمة تضبط إيقاع التحول، والطموح يوسع مداه.
وقد انعكس ذلك على ملفات عديدة.
اقتصاديًا، اتجهت المملكة إلى تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاستثمارات، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتطوير قطاعات السياحة والترفيه والصناعة والتقنية والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة، وتعزيز دور صندوق الاستثمارات العامة في صناعة قطاعات اقتصادية جديدة. وفي عام 2026، وصلت الصادرات غير النفطية إلى مستوى قياسي بلغ 624 مليار ريال، وفق بيانات حديثة عن مسيرة التحول الاقتصادي.
واجتماعيًا، شهدت المملكة تحولات كبيرة أعادت تشكيل علاقة المواطن بالفرص والعمل والمشاركة الاقتصادية، ووسعت حضور المرأة في سوق العمل، وفتحت مجالات جديدة للثقافة والسياحة والترفيه، مع الحفاظ على هوية المجتمع وخصوصيته.
أما في التقنية والتحول الرقمي، فقد أصبحت المملكة لاعبًا أكثر حضورًا في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مدفوعة ببنية رقمية متقدمة واستثمارات كبيرة في التقنية وتنمية الكفاءات الوطنية. وقد أكدت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات حديثًا أن دعم الملك سلمان وولي العهد أسهم في بناء منظومة وطنية جعلت المملكة أكثر حضورًا في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
وفي التعليم، لم تعد الطموحات مرتبطة فقط بزيادة أعداد المدارس والجامعات، وإنما ببناء إنسان قادر على المنافسة في اقتصاد المعرفة. وما تحقق مؤخرًا من نتائج للطلاب والطالبات السعوديين في المسابقات والملتقيات الدولية، ومن بينها حصول طلاب المملكة على 24 جائزة دولية في معرض ISEF 2026، يؤكد أن الاستثمار في الإنسان بدأ يظهر أثره في ميادين التنافس العالمي.
وفي خدمة ضيوف الرحمن، تحولت التجربة إلى نموذج متكامل يجمع بين التقنية والبنية التحتية وإدارة الحشود وتحسين تجربة الحاج والمعتمر. وقد استقبلت المملكة خلال عام 2025 نحو 19.5 مليون حاج ومعتمر وزائر من القادمين من خارج المملكة، في إطار التطوير المستمر لمنظومة الحج والعمرة وتجربة ضيف الرحمن.
لكن الإنجاز الأكبر، في تقديري، لا يكمن في عدد المشروعات أو حجم الاستثمارات وحدهما، وإنما في الثقة التي أصبحت تحكم علاقة الدولة بالمستقبل.
فالمملكة اليوم لا تتعامل مع المستقبل باعتباره تحديًا يجب الخوف منه، بل فرصة يجب اقتناصها.
وهذه الثقة لم تأتِ من فراغ؛ فقد تأسست على استقرار سياسي، وقرارات محسوبة، وإدارة مالية أكثر كفاءة، وإعادة هيكلة واسعة لأجهزة الدولة، وقياس الأداء، وربط الخطط بالنتائج.
وفي قلب كل ذلك تأتي حكمة الملك سلمان.
الحكمة ليست في أن تعرف كل الإجابات، وإنما في أن تعرف كيف تختار من يستطيع أن يصنعها.
ومن أبرز صور هذه الحكمة أن الملك سلمان منح جيلًا جديدًا من القيادات مساحة واسعة للعمل وصناعة المستقبل، وفي مقدمتهم الأمير محمد بن سلمان، الذي أصبح أحد أبرز وجوه التحول السعودي.ولعل ما نشهده اليوم من استمرار المشروعات الكبرى، وتوسع الاستثمارات، ونمو قطاعات جديدة، وتعاظم الحضور السعودي في ملفات الاقتصاد والسياسة والطاقة والتقنية والثقافة والرياضة، يؤكد أن المسيرة لم تكن مجموعة قرارات منفصلة، وإنما مشروع متكامل تتراكم نتائجه عامًا بعد عام.
وفي السياسة الخارجية أيضًا، اتبعت المملكة نهجًا أكثر استقلالية وتوازنًا، فلم تعد العلاقات الدولية تُدار بمنطق الاصطفاف التقليدي، وإنما وفق المصالح الوطنية وبناء الشراكات مع مختلف القوى العالمية. وأصبحت الرياض مساحة للحوار والتقارب، وفاعلًا رئيسًا في ملفات المنطقة، وهو ما عزز مكانتها الدولية.
وإذا كانت السنوات الماضية قد أثبتت قدرة المملكة على التعامل مع الأزمات، فإن المرحلة المقبلة ستختبر قدرتها على إدارة النجاح نفسه.
فالتحدي لم يعد فقط في إطلاق المشروعات، وإنما في استدامتها، وتعظيم أثرها، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية دائمة، وبناء جيل جديد من الكفاءات السعودية القادرة على قيادة ما بعد مرحلة التحول.
وهنا تتجدد أهمية التكامل بين الملك سلمان وولي العهد.
الملك سلمان يمثل عمق الدولة وحكمة التجربة، ومحمد بن سلمان يمثل طاقة المستقبل وسرعة الإنجاز.
وبين الحكمة والطموح تُبنى الدول.
وبعد اثني عشر عامًا من البيعة، ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا أنجزت المملكة؟
فالإجابة أصبحت واضحة في الطرق والمشروعات والمدن والجامعات والاقتصاد والسياحة والتقنية وفي حياة المواطن اليومية.
السؤال الأهم هو: كيف استطاعت المملكة أن تحقق هذا القدر من التحول، بينما كانت المنطقة والعالم يمران بكل هذه العواصف؟
والإجابة في تقديري تبدأ من القيادة.
قيادة تعرف قيمة الاستقرار، ولا تخشى التغيير.
قيادة تحافظ على الثوابت، وتفتح أبواب المستقبل.
قيادة لا تستعجل النتائج، لكنها لا تسمح للفرص أن تضيع.
وفي ذكرى البيعة الثانية عشرة، لا نستحضر فقط سنوات مضت، وإنما نستحضر مسيرة وطن تتقدم بثقة؛ بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبمؤازرة ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، نحو مرحلة جديدة من تاريخ المملكة، عنوانها أن المملكة لا تنتظر أن يكتب الآخرون مستقبلها... بل تكتب مستقبلها بيد أبنائها.