ناصر المحيّاني
شهد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة تحولات إقليمية متزايدة في العمق والتعقيد، مما دعا إلى إعادة طرح مسائل جوهرية في إطار القانون الدولي العام، ولاسيما المتعلقة بمفهوم السيادة، وحق الدول المستهدفة في الدفاع عن النفس، ومسؤولية الدول تجاه استخدام القوة من قبل دول ذات سيادة أو جماعات مسلحة غير حكومية، ودور الترتيبات الإقليمية في حفظ الأمن والسلم ومن بينها الملاحة الدولية.
وبما أن المملكة تقع في قلب هذه التطورات المتسارعة، بوصفها دولة ذات موقع جغرافي استثنائي، وارتباط أمنها الوطني بأمن البحر الأحمر والخليج العربي وطرق التجارة والطاقة الدوليين، فضلًا عن اتصالها المباشر بأكثر المواقع الجغرافية توترًا وحساسية، إلا أن هناك من يرى الدور السعودي من منظور سياسي أو إستراتيجي بحت، باعتبارها دولة مؤثرة في صناعة القرار العربي والدولي، مما يستدعي -بالضرورة- استحضار البعد القانوني الذي يقود إلى طرح سؤال جوهري أكثر عمقًا وهو: هل من الممكن النظر إلى دور المملكة وسط البيئة الإقليمية المضطربة، باعتباره ممارسة لوظيفة قانونية تعمل طبقًا للقواعد الدولية في حفظ الأمن والسلم الإقليميين، وبما يفوق المفهوم المحدود في أنها مجرد تعبير عن مصالح وطنية؟
تتزايد أهمية هذا السؤال المحوري في ارتكازه على نصوص نابعة من ميثاق الأمم المتحدة، والتي أقامت منظومة متكاملة للتعاون الإقليمي والدفاع عن النفس، والتسوية السلمية للمنازعات، ومنع تهديد الأمن والسلم الدوليين، حيث ورد في المادة (1/1) من الميثاق مقاصد الأمم المتحدة في حفظ الأمن والسلم الدوليين، كما جاء في المادة (2/4) حظر التهديد باستعمال القوة او استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي من الدول الأعضاء، كما تقرر في المادة (51) حق الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس، وجاء في الفصل الثامن -من الميثاق- عن التنظيمات الإقليمية بالمادة (52) الأساس القانوني المتوافق مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها فيما يتعلق بالترتيبات الإقليمية.
وبما أن المركز القانوني للمملكة وسط بيئة إقليمية أصبحت فيها آثار النزاعات تتجاوز حدود الدول التي تنشأ فيها، وتمتد آثارها إلى الممرات البحرية وأمن الملاحة والطاقة، وحركة التجارة وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي العالمي، فإن الدور الذي تضطلع به المملكة في حماية استقرارها، لا يجب اختزاله في إطار المصلحة الوطنية السعودية فقط.
فالمملكة تشغل موقعًا جغرافيًا مركزيًا وسط شبه الجزيرة العربية وبين المشرق العربي والقرن الإفريقي والخليج العربي والبحر الأحمر وطرق التجارة البحرية الدولية، وتملك سواحل واسعة تمتد على مسطحين بحريين ذات أهمية إستراتيجية، وترتبط بأحد أهم قطاعات الطاقة عالميًا، فضلًا عن وزنها وسط المنظومات العربية والإسلامية والدولية، ومن ثم فإن أي اضطرابات واسعة في أمن المملكة، قد يؤدي في المقابل إلى نتائج تتجاوز حدودها إلى نطاقات دولية، ومن هنا يمكن بناء مفهوم جديد مفاده: أن بعضًا من الدول قد تمتلك من الخصائص الجغرافية والاقتصادية والسياسية والأمنية، ما يجعل استقرارها ذا آثار تتجاوز إقليمها الوطني.
إن من مقاصد الأمم المتحدة في المادة (1/1) من الميثاق: «حفظ السلم والأمن الدولي، وتحقيقًا لهذه الغاية اتخاذ التدابير الجماعية الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد وإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم ..»، لتزيح المادة النقاب عن قاعدة جوهرية مفادها: أن القانون الدولي لا يقتصر على معالجة الحرب بعد نشوبها، وإنما يهتم بمنع الظروف التي قد تقود إلى تهديد الأمن والسلم في الأصل.
الأمر الذي يفتح نافذة الوعي لقراءة الدور السعودي في اتخاذه لمختلف الوسائل الدبلوماسية من وساطة وحوار وتهدئة إقليمية بما يتسق مع الفلسفة الوقائية لميثاق الأمم المتحدة، فالدولة التي تكون ممارساتها جزءًا من الغاية التي يسعى النظام الدولي إلى تحقيقها، لا تتحرك بالضرورة خارج إطار القانون الدولي حين تعمل على منع تحول النزاع السياسي إلى نزاع مسلح.
عند تحول جماعة مسلحة إلى مصدر تهديد عابر للحدود، أو اعتداء مسلح على إقليم دولة ذات سيادة، فإن المسألة لم تعد محصورة في المجال الداخلي للدولة التي توجد فيها الجماعة، بل تنشأ عدد من الأسئلة الدولية المستقلة، ومنها: هل تستطيع الدولة التي يقع داخل إقليمها النشاط المسلح منعه؟ هل توجد علاقة قانونية بين الجماعة ودولة أخرى؟ هل بلغت أفعال تلك الجماعة مستوى الإرهاب الدولي أو تهديد الأمن والسلم الدوليين؟ وأخيرًا ما الوسائل القانونية المتاحة أمام الدولة المستهدفة؟ وهذه الأسئلة تجعل تعامل الدولة المستهدفة مع التهديدات المسلحة طبقًا للقانون الدولي لا بوصفه خيارًا سياسيًا.
حين يتغير توصيف الآثار القانونية للنزاعات المسلحة، من داخل نطاق الدولة التي تقع في إقليمها إلى التخطيط لهجمات خارج الحدود، ومن ثم تنفيذ هجمات عابرة للحدود، واستهداف مدنيين ومنشآت مدنية واقتصادية وعسكرية، والحصول على تمويل أو تسليح خارجي، حتى يصل التصعيد في ذلك إلى تهديد الملاحة البحرية، يصبح من الخطأ القانوني في هذه الحالة النظر إلى نشاط تلك الجماعة كله، باعتباره شأنًا داخليًا بحت.
الموقف السعودي بطبيعته يرتكز على قواعد قانونية طبقًا لنصوص الميثاق الأممي، وعلى أساس يوضح أيضًا أن المملكة لا تستهدف جماعة لكونها مسلحة، بل تواجه تهديدًا مسلحًا عابرًا للحدود يمس سيادتها وسلامتها الإقليمية ومصالحها الحيوية وأمن سكانها، وبالتالي فإن الصفة غير الحكومية للجماعة المسلحة، لا تمنحها حصانة من قواعد القانون الدولي، كما لا يجب اعتبار الاعتداء العابر للحدود شأنًا داخليًا بمجرد أن الجهة المنفذة ليست دولة.
فالجماعة المسلحة لا تخرج من إطار القانون الدولي حين تصبح طرفًا في نزاع مسلح، فقواعد القانون الدولي الإنساني حظر الهجمات التي تستهدف المدنيين، وتطرف جماعة مسلحة لا يلغي أيضًا حماية المدنيين، وحين تلتزم المملكة بقواعد الاحتياطات والتمييز والتناسب، فيعد ذلك من أبرز عناصر القوة القانونية للموقف السعودي، على العكس من الفهم الخاطئ باعتباره ترددًا أو ضعفًا في مواجهة المليشيا المتطرفة.
إن المملكة كدولة ارتكاز قانوني إقليمي قائمة على الأهمية الجغرافية والموقع البحري والتأثير الإقليمي والثقل الاقتصادي والقدرة السياسية، يكون لاستقرارها أثر يتجاوز المصلحة الوطنية المباشرة، ولاسيما أنه يرتبط باستقرار البحر الأحمر والخليج العربي وطرق التجارة العالمية وأمن الطاقة، والأمن الإقليمي والأمن والسلم الدوليين.
إن الحماية والدفاع القانونيين عن المملكة من الاعتداءات المسلحة والمليشيات المتطرفة، يعد جزءًا من منظومة أوسع لحماية الأمن والسلم الدوليين، وهذا الأمر لا يعتبر قائمًا على الانحياز السياسي، بل على اختبار قواعد القانون الدولي ذاتها، فعند تجاوز النزاع حدود الشأن الداخلي ليتحول إلى تهديد للسلم، ينتقل التعامل مع هذه الحالة من دائرة السيادة الداخلية إلى دائرة الاختصاص الجماعي لمجلس الأمن.
وحول تلك الدائرة فقد صدر عن مجلس الأمن قراران (2216) و(2722) يقضيان بموجبهما بتأطير الصراع مع طرف الاعتداء على جنوب المملكة، ووضعه تحت طائلة العقوبات الدولية والملاحقة بموجب الفصل السابع، وهما ما طالبت المملكة بتفعيلهما في الجلسة الطارئة للمجلس، واتخاذ موقف واضح وحازم ووقف كافة أشكال الدعم لتلك المليشيا، الأمر الذي يتجلى معه سعي المملكة عبر قنوات القانوني الدولي لحفظ السلم والأمن الدوليين في المنطقة.
ونستخلص من ذلك أن التحولات المتسارعة والمصاحبة للاضطرابات الأمنية في الشرق الأوسط، قد فرضت واقعًا يتجاوز المقاربات السياسية والإستراتيجية التقليدية، ليعيد وضع النزاعات العابرة للحدود تحت مجهر القانون الدولي العام، كما يتضح أن دور المملكة المحوري لم يعد مجرد تعبير عن مصالح وطنية، بل ممارسة عملية فعلية لوظيفة قانونية تلتزم بموجبها بمسؤولياتها الدولية في حفظ الأمن والسلم الدوليين، ويكتسب هذا الدور مشروعيته وقيمته القانونية من اتساقه المباشر مع مقاصد ميثاق الأمم المتحدة، ليشكل المركز القانوني للمملكة الركيزة الأساسية لتحويل العمل الإقليمي من مجرد توازنات قوى سياسية إلى منظومة قانونية متكاملة، لضمان استقرار الاقتصاد العالمي وحرية الملاحة الدولية وسط التحديات الراهنة.
** **
كاتب ومحلل سياسي - باحث في الشأن الدولي والسياسي