ناصر بن فريوان الشراري
تثير حالة السبات والسكوت الأمريكي المريب تجاه ما يجري في اليمن والعراق أكثر من علامة استفهام، فواشنطن التي ترفع شعار محاصرة إيران وتجفيف منابع تمويل أذرعها، تراقب الميليشيات التابعة لطهران وهي تتحرك وتعيد الانتشار وتوسّع نطاق عملياتها، وصولاً إلى مواقع استراتيجية شديدة الحساسية على البحر الأحمر، بالتزامن مع اعتداءات تستهدف أراضي المملكة العربية السعودية ومنشآتها الحيوية.
في اليمن، يتحرك الحوثيون على الساحل الغربي وفي محيط المخا وباب المندب، حيث تمر واحدة من أهم طرق الملاحة والتجارة الدولية، وفي العراق انطلقت هجمات نحو منشآت سعودية من مناطق تنشط فيها فصائل مرتبطة بإيران، بحسب ما أعلنته الرياض وبغداد، وبين هذه الجبهة وتلك تتشابه الأدوات والتوقيتات والرسائل، فيما تكتفي الولايات المتحدة بالمراقبة والتصريحات العامة.
هذا المشهد لا يدعو إلى الخشية على السعودية، فالمملكة تعرف كيف تحمي سيادتها وتملك أدوات الردع والقدرة على الرد في الزمان والمكان اللذين تختارهما، لكنه يثير الريبة في حقيقة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة: هل عجزت واشنطن فعلاً عن ضبط الميليشيات التي تزعم محاصرتها، أم أنها تترك لها هامشاً محسوباً من الحركة لخدمة ترتيبات أكبر؟
السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل هناك طبخة سياسية تُعدّ من تحت الطاولة بين إدارة دونالد ترامب والقيادة في طهران؟ وهل أصبحت أذرع إيران أوراقاً تفاوضية يُسمح لها بالتصعيد حيناً، وتُضبط حركتها حيناً آخر، وفق ما تقتضيه المصالح الأمريكية؟ لا توجد أدلة قاطعة تثبت وجود صفقة سرية، لكن التناقض بين الخطاب الأمريكي والمشهد على الأرض يجعل طرح السؤال حقاً مشروعاً وضرورة سياسية.
وتتضاعف الشكوك عندما تتجنب هذه الميليشيات الاصطدام المباشر بالمصالح الأمريكية، ثم توجه عملياتها نحو السعودية، وقد تحدث الرئيس الأمريكي عن تواصل الحوثيين مع واشنطن وإبلاغها بأنهم لا يريدون قتال الولايات المتحدة، في وقت كانت فيه الجماعة تصعّد هجماتها ضد المملكة، فهل هناك قواعد اشتباك غير معلنة؟ وهل مُنحت بعض الأطراف مساحة للتحرك ما دامت النيران لا تصل إلى الأمريكيين؟
إن استهداف السعودية لا يكشف ضعفاً فيها، بل يكشف حجم العجز لدى خصومها عن مواجهتها كدولة بدولة، فيلجؤون إلى الميليشيات والمنصات المتنقلة وحروب الوكالة، كما يكشف أن الموقف السعودي المستقل أصبح عقبة أمام مشاريع تريد إعادة تشكيل المنطقة وفق خرائط ومصالح تُرسم خارجها.
أما العراق، فلا يجوز أن تُختطف أراضيه وقراره بواسطة فصائل تعمل لحساب مشروع خارجي، والشعب العراقي الشقيق ليس مسؤولاً عن ممارسات جماعات مسلحة وضعت نفسها فوق الدولة، لكن مسؤولية بغداد تبقى واضحة: فرض السيادة، وكشف منفذي الاعتداءات، ومحاسبتهم، ومنع استخدام الأراضي العراقية منصةً لاستهداف السعودية أو أي دولة عربية أخرى، فالبيانات لا تكفي حين تتحول الحدود إلى ممر للسلاح، وتصبح الميليشيا صاحبة قرار يتجاوز قرار الدولة.
وفي اليمن، ليس مقبولاً أن تتحول المخا وباب المندب إلى ورقة في يد الحوثيين وداعميهم، فالممر ملك للملاحة الدولية، وأمن البحر الأحمر جزء من الأمن العربي، وإذا كانت القوى الكبرى جادة في حديثها عن حرية التجارة وحماية طرق الطاقة، فعليها أن تثبت ذلك بالأفعال، لا أن تكتفي بدور المتفرج ما دام التصعيد موجهاً نحو السعودية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تريد الولايات المتحدة إنهاء الخطر، أم إبقاءه تحت السيطرة لاستخدامه في الضغط والمساومة؟ أياً تكن الإجابة، فإن أمن السعودية ليس مجالاً للتجربة، وبلاد الحرمين ليست ساحةً لصفقات الآخرين، وأي «طبخة» تُعدّ على حساب المملكة والمنطقة ستصطدم بدولة تعرف قدرها، وتصون قرارها، وتملك من أدوات القوة ما يجعلها قادرة على حماية مصالحها وقلب حسابات من يسيء تقديرها.