د. حسين علي غالب بابان
يرتدي هؤلاء قفازات بدائية الصنع مصنوعة من قطع أقمشة الثياب المهترئة جرى خياطتها بعناية لتقي أيديهم من الجروح، ينحنون فوق الأرض الجافة بحثًا عن أعشاب شوكية يابسة تنمو في التربة القاسية ثم يمسكون بها بقوة و يقتلعونها من جذورها بصعوبة.
هذه الأعشاب شديدة الجفاف و مليئة بالأشواك الصغيرة التي تجعل جمعها مهمة مؤلمة وشاقة، لكنها في الوقت نفسه أصبحت مصدرًا ضروريًا للوقود. هذا المشهد يتكرر في قطاع غزة، حيث تحولت عملية جمع الأعشاب البرية اليابسة إلى مهنة يعمل فيها كثير من الناس لتأمين لقمة العيش، وفي الوقت نفسه إلى وسيلة بديلة لمواجهة أزمة الوقود وانقطاع مصادر الطاقة المستخدمة في الطبخ.
بعد ساعات من العمل، يجمع هؤلاء كميات كبيرة من الأعشاب ثم يوزعونها فيما بينهم أو يحملونها إلى منازلهم، وبعد تجفيفها أكثر تُستخدم حطبًا ووقودًا لإشعال النار وإعداد الطعام. وفي ظل النقص الحاد في مختلف أنواع الوقود أصبحت هذه الأعشاب رغم بساطتها واحدة من الحلول القليلة المتاحة أمام العائلات التي تبحث عن وسيلة رخيصة لتوفير وجبة ساخنة.
عملية الجمع ليست سهلة، فاقتلاع النباتات من التربة الجافة يحتاج إلى قوة وجهد كما أن الأشواك الدقيقة تتسلل بسهولة إلى اليدين والملابس، ولذلك يلجأ العاملون إلى ارتداء القفازات المصنوعة من بقايا الأقمشة لحماية أيديهم قدر الإمكان. مع ذلك يواصلون العمل لساعات طويلة، لأن ما يجمعونه قد يتحول في نهاية اليوم إلى وقود يكفي لإعداد الطعام، بالنسبة إلى كثير من العائلات لم يعد جمع هذه الأعشاب مجرد عمل موسمي أو نشاط عابر، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية ووسيلة لكسب بعض المال أو توفير ثمن الوقود، فكل كمية يتم جمعها تعني قدرًا أقل من الإنفاق وربما تعني أيضًا إمكانية إشعال النار وطهي الطعام في منزل يعاني من انقطاع مصادر الطاقة.
هكذا في قطاع غزة، دفعت الظروف القاسية الناس إلى البحث عن حلول من أبسط ما توفره الأرض، أعشاب يابسة شوكية وقاسية، كانت تنمو في البرية دون أن يلتفت إليها أحد، أصبحت اليوم موردًا مهمًا للفقراء ووقودًا بديلًا يساعدهم على الاستمرار في حياتهم اليومية وسط أزمة طاقة خانقة وظروف معيشية بالغة الصعوبة.
** **
- أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا