د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
قد تعرف الرجل عشر سنوات، ثم تسافر معه ثلاثة أيام، فتكتشف أنك لم تعرفه بعد!
ففي الحياة المعتادة مساحات واسعة يستطيع الإنسان أن يخفي فيها طباعه، وأن ينتقي كلماته، ويضبط انفعالاته وينسحب إذا ضاق، ويعتذر إذا لم يرغب، ثم يعود إلى بيته، حيث عالمه الخاص. أما السفر فيضيق هذه المساحات ويطيل زمن المخالطة، ويجمع الناس في أحوال متقلبة؛ تعب وراحة، جوع وشبع، انتظار واستعجال، اتفاق واختلاف إنفاق وإمساك، وهنا تبدأ الأخلاق في الحديث عن أصحابها.
ولذلك ارتبط السفر عند العرب بكشف معادن الرجال، وشاع في كلامهم أن السفر يسفر عن أخلاق الرجال وقالوا: «الرفيق قبل الطريق»؛ لأنهم أدركوا بتجاربهم أن مشقة الطريق لا يخففها جمال المكان بقدر ما تخففها جودة الرفيق، وأن الطريق القصير قد يطول بصاحب ثقيل، والطريق الطويل قد يقصر بصاحب كريم.
والسفر لا يغير الناس بقدر ما يكشفهم.
فالصديق الذي تراه كريمًا في مجلس عابر قد تختبر كرمه حين تتداخل المصروفات، والذي يعجبك هدوؤه قد تعرف حقيقة حلمه عندما تتأخر الطائرة ساعات، والذي يكثر الحديث عن الإيثار قد يأتي الامتحان في مقعد أكثر راحة، أو غرفة أفضل، أو حقيبة ثقيلة تحتاج إلى من يحملها.
إنها تفاصيل صغيرة، لكنها تقول أشياء كبيرة.
في السفر تعرف من ينتظرك إذا تأخرت، ومن يمشي ويتركك. من يسأل عن تعبك، ومن لا يرى إلا تعبه. من يختار لنفسه أفضل المقاعد، ومن يقول لصاحبه: اجلس أنت. تعرف من يجعل رأيه اقتراحًا، ومن يجعله أمرًا، ومن يقبل أن تتغير الخطة لأن رفيقه متعب، ومن يريد أن يسير الجميع وفق مزاجه مهما كانت أحوالهم.
وقد يكون الامتحان فاتورة مطعم
هناك من يمد يده إليها بسماحة، وهناك من يبدأ عملية حسابية دقيقة لا تنتهي، لا بحثًا عن العدل، فالعدل محمود، ولكن لأن نفسه لا تسمح أن يزيد نصيبه شيئًا يسيرًا عن نصيب صاحبه. وحين تدخل الصداقة في حسابات الصغائر، يظهر الفرق بين من يصحبك بقلبه ومن يصحبك بآلة حاسبة.
ولهذا فإن أجمل رفقاء السفر ليس أغناهم، ولا أكثرهم معرفة بالمدن والفنادق، ولا أمهرهم في إعداد البرامج؛ بل أوسعهم صدرًا وألينهم جانبًا. ذلك الذي تستطيع أن تختلف معه دون أن تخسره، وتتأخر عليه فلا يهينك، وتتعب فلا يثقل عليك، وتخطئ فلا يحول خطأك إلى قضية، وتحتاج إليه فلا يشعرك بأن حاجتك دين سيذكرك به يومًا.
ومن جميل ما نسب إلى الإمام الشافعي في فوائد السفر:
تغرَّب عن الأوطان في طلب العلا
وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفريج هم، واكتساب معيشة
وعلم، وآداب، وصحبة ماجد
وتستوقفني هنا «صحبة ماجد»؛ لأن بعض الناس يعود من سفره بصور كثيرة، وبعضهم يعود بمشتريات، وبعضهم بقصص عن المدن والبحار، لكن المحظوظ حقًا من عاد بإنسان ازداد يقينًا بمعدنه.
فكم من صديق ارتفعت منزلته في القلب بعد رحلة واحدة!
كنت تعرفه ضاحكًا في المجالس، فعرفته في السفر صبورًا عند الشدة. كنت تعرف لطف حديثه، فعرفت لطف فعله. مرضت فكان أول من استيقظ، وتأخرت فكان آخر من تحرك، وضاقت بك الحال فوسعها عليك دون أن يشعرك أنه صنع شيئًا. وحين انتهت الرحلة أدركت أن المسافة التي قطعتها لم تكن بين مدينتين فحسب، بل كانت مسافة أخرى قطعتها إلى داخل شخصية إنسان.
وفي المقابل، قد تعود من رحلة وقد تغيَّرت نظرتك إلى صديق صاحبته أعوامًا. لا لخيانة عظيمة، ولا لموقف يستحق الخصومة، ولكن لأن التفاصيل كشفت لك ما كانت المجالس تخفيه: أنانية متكررة، أو شحًا، أو سرعة غضب، أو حب سيطرة، أو قلة اكتراث بالآخرين.
وهنا ينبغي أن نكون منصفين؛ فالسفر ليس محكمة نصدر فيها الأحكام النهائية على الناس من أول هفوة. المسافر يتعب، والجائع قد يضيق، وقليل النوم قد يتغير مزاجه، وكلنا معرضون لأن تظهر منا ساعة الإرهاق أشياء لا تمثّل أجمل ما فينا. ولذلك فإن حسن الصحبة لا يكون فقط بأن تبحث عن رفيق كامل، بل بأن تكون أنت أيضًا رفيقًا يعرف التغاضي.
وقد قيل:
ليس الغبي بسيد في قومه
لكن سيد قومه المتغابي
فبعض ما نراه من أصدقائنا ينبغي أن يمر، وبعض الكلمات لا تستحق الوقوف عندها، وبعض المواقف يكون نسيانها أكرم للصداقة من مناقشتها. ومن أراد رفيقًا بلا عيب، سافر وحده، وربما اكتشف في وحدته أن فيه من العيوب ما كان يتغاضى عنه رفاقه!
والسؤال الذي ينبغي أن نسأله بعد كل رحلة ليس: كيف كان صاحبي معي؟ فقط، بل: كيف كنت أنا معه؟
هل كنت ذلك الصديق الذي يخفف ولا يثقل؟ هل تنازلت كما طلبت منه أن يتنازل؟ هل احتملت تعبه كما أحببت أن يحتمل تعبك؟ هل أعطيته حقه في اختيار المكان والوقت والطعام؟ هل حفظت خصوصيته، وسترت عيوبه، وتركت ما وقع في الطريق ينتهي بانتهاء الطريق؟
فالمروءة ليست أن تعود من السفر محملًا بأخطاء رفيقك، ثم توزعها في المجالس على هيئة طرائف وحكايات. وما كشفه لك السفر من خصوصية صاحبك أمانة، والصديق الكريم يستر ما رآه، ويذكر الجميل، ويطوي ما عداه.
وربما كانت هذه أعظم أخلاق رفيق السفر: أن تأمنه في حضورك وغيابك.
إن بعض الرحلات تعرفنا بالبلدان، وبعضها يعرفنا بأنفسنا، وبعضها يعرفنا بالناس.
قد تسافر بحثًا عن بحر، فتكتشف قلبًا. وقد تقصد جبلًا، فتكتشف معدن رجل. وقد تعود فتنسى اسم المطعم الذي أكلت فيه، والفندق الذي سكنت فيه، والطريق الذي سلكته، لكنك لا تنسى يدًا امتدت إليك ساعة التعب، ولا صاحبًا قال لك في موقف صعب: أنا معك.
لهذا قال العرب: «الرفيق قبل الطريق».
فالأماكن الجميلة كثيرة، والرحلات يمكن أن تتكرر، والطرق التي لم نسلكها بعد أكثر من التي سلكناها، لكن الرفيق الذي إذا طالت المسافة قصّرها، وإذا ثقل التعب خففه، وإذا وقع الاختلاف حفظ الود، وإذا كشفه السفر ازددت به إعجابًا؛ ذلك ليس مجرد صاحب رحلة.
ذلك مكسب من مكاسب العمر.