نجلاء العتيبي
للأوطان في أوقات الشدَّة رجال ونساء يكشف حضورهم عن جوهر الانتماء؛ مواطنون يعرفون أن المحبة مسؤولية، وأن الوفاء موقف، وأن أمن البلاد لا تحرسه القوة وحدها، وإنما يُسانده وعي أبنائها وثباتهم، فعند نشوب المعارك تتقدَّم في النفوس معاني التكاتف، ويصبح كل فرد قادرًا على خدمة وطنه من موقعه، بالكلمة الصادقة، والتصرُّف المتزن، والثقة التي لا تربكها الأخبار المتلاحقة.
فالمواطن الصالح لا يحتاج إلى مُن يُذكّره بمكانة وطنه؛ فقد تربَّى على أن أرضه امتدادٌ لاسمه، وأن رايتها تختصر تاريخًا يعتزُّ به، ومستقبلًا يُسهم في بنائه؛ لذلك يحضر وقت الحاجة حاضر القلب والعقل، يُدرك أثر ما يسمع وما ينقل، ويمنح الكلمة قدرها قبل أن يُطلِقها، لا يحمل إلى أسرته خبرًا مجهولًا، ولا يفتح في مجلسه طريقًا للتهويل، ويجعل المصدر الرسمي مرجعه؛ لأن المعلومة الدقيقة تحفظ الطمأنينة، وتصون الجهد من التشتُّت.
الإشاعة تبحث عن سرعة تحملها، أما الوعي فيمنح الحقيقة وقتها ومكانها، وهنا يظهر المواطن في أبهى صور إخلاصه: يوقف الخبر غير الموثوق عنده، ويُنبّه مَن حوله بمحبة، وينشر ما ينفع، ويترك ما يثير القلق دون أساس، لا يفعل ذلك خوفًا أو ترددًا، وإنما احترامًا لوطن يعرف قيمته، ومجتمع يريد له أن يبقى قويًّا، متماسكًا، مطمئنًّا إلى مؤسساته ورجاله.
أما الفتنة فلا تجد مقامًا بين أبناء جمعتهم هوية واحدة، وذاكرة واحدة، وغاية واحدة، يختلف الناس في طبائعهم واهتماماتهم، ويلتقون عند الوطن بقلوبٍ تعرف حقه، وإذا حاولت عبارة مثيرة أن تشغلهم قابلوها برزانة تليق بهم، وإذا وصلت صورة مبتورة، أعادوها إلى سياقها الصحيح، وإذا تكاثر الكلام، اختاروا الموثوق منه، بذلك تُدفن الفتنة من غير صخبٍ، وتُباد البلبلة بالوعي، وتظلُّ النفوس مشدودة إلى ما يجمعها.
والوطنية في هذه المواقف ليست شعارًا يُقال، وإنما أخلاق تُرى، تظهر في أُمٍّ تهدئ أبناءها بثقةٍ، وفي أبٍ يُعلّم أسرته التثبُّت، وفي شاب يُسخّر حضوره الرقمي لنشر الرسائل النافعة، وفي موظف يؤدي مهمته بإتقانٍ، وفي مُعلّم يغرس في طلابه الاعتزاز والمسؤولية، ولكل مواطن موقعٌ يستطيع منه أن يزيد وطنه قوة، ولا يوجد دور صغير حين تكون الغاية بحجم البلاد.
وما أجمل الحماسة حين يقودها العقل؛ فهي لا تندفع نحو كل قولٍ، ولا تستجيب لكل محاولة إثارةٍ، وإنما تتحوَّل إلى طاقة للبناء والمساندة، والمواطن المتحمس لوطنه يرفع المعنويات، ويُشيع الثقة، ويُذكّر بالمنجزات، ويقف إلى جوار من يحتاج الطمأنينة، يعرف أن الكلمة قد تردُّ قلقًا، وأن موقفًا متزنًا قد يحفظ مجلسًا من الاضطراب، وأن خبرًا صحيحًا يستطيع إنهاء مساحة من الالتباس.
إن المعارك تختبر قوة السلاح، وتكشف كذلك قوة الشعوب في التفافها حول أوطانها، وشعب يعرف تاريخه، ويثق بقيادته، ويُقدّر مؤسَّساته، يمضي بثباتٍ مهما ازدحمت الأخبار، لا يحتاج إلى انفعال كي يثبت ولاءه؛ تكفيه سكينة الواثق، ودقة المسؤول، وشهامة من يرى سلامة الناس جزءًا من واجبه، تلك صفات المواطن الذي يحمل وطنه في سلوكه قبل عباراته.
ليس المطلوب أعمالًا خارقة، فالأثر العظيم يبدأ أحيانًا من ضغطة امتنعت عن إعادة إرسال شائعة، أو كلمة أعادت الاطمئنان إلى قلب، أو تنبيه مهذَّب أغلق باب التهويل، هذه المواقف كلها تبدو صغيرة، إلا أنها حين تتكرَّر بين الملايين تصنع مناعة وطنية راسخة، وتُبرهن أن الشعب ليس جمهورًا للأحداث، وإنما قوة واعية تسند بلاده.
يا أبناءَ الوطن، اجعلوا هواتفكم منابر للصدق، ومجالسكم مواضع للثقة، وكلماتكم امتدادًا لأصالة هذه الأرض، استقبلوا الأحداث بعقول تعرف مسؤوليَّتها، وقلوب لا تنسى فضل وطنها، ونفوس تستمدُّ حماستها من يقينها، رُدُّوا الإشاعة بالتثبُّت، وادفنوا الفتنة بوحدتكم، وأبيدوا البلبلة بنشر الطمأنينة، وكونوا كما عهدكم وطنكم: أهلًا للوفاء، وموضعًا للثقة، وسندًا لا يميل.
هذا الوطن الذي منح أبناءه الأمن والكرامة والفرص يستحقُّ منهم حضورًا يوازي عطاياه، يستحقُّ كلمة تصونه، وعملًا يرفعه، ووعيًا يحفظ مكانته، وفي ساعة الشدة يكتب المواطنون صفحة جديدة من المجد؛ لا بأسمائهم منفردة، وإنما باسم البلاد التي وحَّدتهم، يقفون صفًّا من المحبة، يحمل كلٌّ منهم مسؤوليته بعزة، ويعلن بسلوكه أن الوطن يسكن وجدانه، وأن الوفاء له طبيعة لا تتبدَّل، وأن رايته ستبقى عالية بعزم أبنائه، وصدق انتمائهم.
ضوء
«وطنّا من نواه بسوء نجسر بالخطا قيده
ورغم أنفه نعقب له يده ونطبق أكتافه»
شاعر الوطن - خلف بن هذال