د.الجواهر عبدالله بن دهيش
إن وجود الماء على الكرة الأرضية، لا يعني أن كل المياه فعلياً متاحة ومناسبة للاستخدام البشري والزراعي ومورد غير محدود، فالمياه العذبة تمثل نسبة صغيرة من إجمالي المياه، وهي المورد الذي يجب أن نحافظ عليه. تعتمد المملكة العربية السعودية على مصادر متعددة أهمها المياه السطحية، والمياه الجوفية، والمياه المحلاة، ومياه الصرف الصحي المعالجة، كما أن المملكة تفتقر إلى الموارد السطحية الدائمة في غياب الأنهار دائمة الجريان أو البحيرات الطبيعية الدائمة.
وقد أشارت العديد من الدراسات إلى أن المملكة السعودية تواجه تحدياً كبيراً في ندرة المياه، وأن جزءاً مهماً من احتياجاتها اليومية، يعتمد بشكل كبير على موارد المياه الجوفية غير المتجددة ومحطات تحلية المياه.
فالمياه الجوفية بعضها يتجدد بصورة طبيعية من خلال تسرب المياه السطحية ومياه الأمطار إلى باطن الأرض، بينما الخزانات الجوفية العميقة تحتوي على مياه جوفية غير متجددة أو محدودة التجدد. وتتعرض المياه الجوفية للاستنزاف، وأن الإفراط في استخراجها، خصوصًا للأغراض الزراعية، يشكل تهديداً لاستدامة الزراعة والأمن الغذائي. فبعض المياه الجوفية تحتاج إلى فترات زمنية طويلة للتجدد، وقد لا تعوض كميات المياه المسحوبة للاستخدام بمعدل التغذية الطبيعية، مما يؤدى إلى انخفاض في مخزون المياه الجوفية مع مرور الزمن. وقد أصبح اللجوء إلى المياه المحلاة ومياه الصرف الصحي المعالجة كحل عملي لتعويض نقص المياه، ومورد يمكن الاستفادة منه وفق ضوابط محددة. وفي المملكة العربية السعودية تصبح المسألة أكثر أهمية عند التخطيط لإدارة الموارد المائية في ظل التغيرات المناخية، وارتفاع درجات الحرارة في المملكة، وارتفاع معدلات التبخر، والتغيرات المحتملة في أنماط هطول الأمطار، كل ذلك يزيد من الحاجة لإدارة مستدامة للمياه والمحافظة على مورد مائي قادر على تلبية احتياجات الأجيال القادمة.
تعد الزراعة في المملكة أحد المحاور المهمة في إدارة المياه في المملكة، بسبب الاعتماد على المياه الجوفية، وتدهور في جودة المياه المستخرجة من الطبقات العميقة في بعض المناطق، وعدم كفاية إمدادات المياه وخدمات الري. وقد أكدت العديد من الدراسات الحديثة أن استدامة الموارد المائية لا يمكن تحقيقه إلا بإيجاد الحلول القابلة للتطبيق لمعالجة قضايا الطلب على المياه في القطاع الزراعي ورفع كفاءة الري. وإعادة استخدام المياه المعالجة كمصدر بديل في بعض الاستخدامات المحددة، حسب درجة المعالجة ومعابير الجودة والاشتراطات البيئية والصحية المعمول بها، وتعزيز حصاد مياه الأمطار، وتشجيع زراعة المحاصيل التي تستهلك كميات أقل من المياه، مع أهمية الاستثمار في الأبحاث التي تتطلب مراجعة لمعايير إعادة استخدام المياه المعالجة، واتخاذ الإجراءات لتطوير عمليات المعالجة دون الإخلال بمتطلبات الصحة العامة، باستخدام الأدوات والتقنيات الصديقة للبيئة لإنتاج مياه عالية الجودة، كل ذلك يمكن أن يساهم في المنظومة الحديثة المتكاملة لإدارة موارد المياه، من أجل تقليل الاعتماد على المياه الجوفية الغير متجددة والمياه السطحية. فالماء المستخدم لمرة واحدة يدخل في دورة استخدام جديدة بعد معالجته وفق المعايير المناسبة، داخل دائرة الاقتصاد الدائري للمياه.
ويمثل ترشيد استهلاك المياه مسؤولية مشتركة من خلال رفع الوعي للإنسان، بالطريقة الصحيحة في استخدام الماء في المنزل، والزراعة، والصناعة والمدن، وشبكات التوزيع، وإعادة الاستخدام، كجزء مهماً في إدارة الطلب على المياه. وتحويل ذلك الوعي إلى سلوك صحيح، وثقافة مجتمع، وتصبح حمايته جزءا من المسؤولية البيئية والوطنية، مع أهمية وجود الأدوات والتقنيات المناسبة والإدارة الفعالة للاستخدام الصحيح للمياه. من أجل بناء مستقيل مائي مستدام يبدأ من المحافظة على المصادر المائية المختلفة، ورفع كفاءة استخدامها، وتقليل الهدر، وإعادة الاستخدام. وتحسين إدارة المياه، ورفع كفاءة الزراعة، كلها عناصر مهمة في تقليل فجوة الطلب على المياه، فكل قطرة ماء هي جزء من مورد محدود يجب المحافظة عليه.
المراجع:
Water Scarcity Management to Ensure Food Scarcity through Sustainable Water Resources Management in Saudi Arabia
Alodah (2023)
Towards Sustainable Water Resources Management Considering Climate Change in the Case of Saudi Arabia
Hamed et al. (2024)
Wastewater resources, agricultural practices management strategies, soil salinity predictions and artificial recharge in the Middle East-Saudi Arabia: A review
Alotaibi et al. (2023)
** **
- أستاذ علم البيئة