خالد بن عبدالرحمن الذييب
عندما تأتي الفكرة للإنسان هو لا يفكر بها، ولكن الفكرة تختار صاحبها، أو ربما تختار ضحيتها. أشعر أن الفكرة خُلقت في مكان ما، وترى أصناف البشر أمامها وتقلّب في عيونهم، وأدمغتهم، وقلوبهم. هي كائن حي خُلق في مكان بعيد، تنثر وجوه البشر أمامها كما تُنثر أوراق لعبة «الكوتشينة»، وتتأمل في الوجوه فتختار من كان عقله مرتعاً للأفكار، وعنده قابلية لإخراجها للمجتمع، تختار أكثرهم جراءة، وشجاعة، وأكبر عشقاً لها، وربما أقلهم حنكة. تختار من لديه القدرة والرغبة على التضحية، فهي تريد عاشقاً صوفياً يفنى فيها ويموت من أجلها، تختار من تأخذه الأفكار ويهمه أمر الناس، مع أن الناس لا تهتم، تختار من يحملها ويموت لتعيش هي، كم هي أنانية تلك الفكرة عندما تصطاد ضحيتها.
فكرة العدالة، وكرامة الإنسان اصطادت «جيفارا» فمات من أجلها، والسبب راعي كان يرى أن حروب جيفارا تخيف أغنامه، هل تعتقدون أن الفكرة اختارت جيفارا عشوائياً؟ لا... بل اختارته بعناية، عرفت فيه كل صفات من يحمل هم الفكرة فاستخدمته من أجل أن تعيش. هل تعتقدون أن الفكرة ذاتها لم تحاول التقرب من الراعي وأمثاله، بلى، ولكن الراعي اختار من يعيش من أجله «أغنامه» لا أن يموت من أجله «الفكرة». الفكرة اختارت جيوردانو برونو، واختارت جاليليو، وكوبرنيكوس، اختارت ابن رشد، وابن المقفع، والسهروردي وسقراط، كلهم دفعوا الثمن، وبقيت الفكرة على قيد الحياة، كلعوب تتلذذ بتضحيات العشاق من أجلها.
نكتب من أجل الفكرة، نتكلم من أجل الفكرة، نناضل من أجل الفكرة، أما الفكرة فتريد أن تعيش على حسابنا.
أخيراً ...
فهم البعض اللعبة وابتعد عنها، وبعضهم عشق اللعبة وقبل بها، قبل بالمقامرة «الحياة مقابل فكرة».
ما بعد أخيراً..
ليس كل فكرة... «فكرة»... فبعض الأفكار... طُعم... نار... مصيدة... نهاية قد لا تعود بعدها أبداً.