سارة الشهري
هل يمكن أن نكون متعلمين ونظل أميين؟
قد يبدو السؤال غريباً للوهلة الأولى، لكننا إذا تأملنا حياتنا اليوم سنكتشف أن الإجابة قد تكون: نعم! فالأمية التي عرفناها طويلاً كانت تعني عدم القدرة على القراءة والكتابة، وكان الإنسان الذي لا يعرف فك الحروف أو كتابة اسمه يُعد أمياً. ولهذا خاضت المجتمعات عقوداً طويلة من الجهود لمحو الأمية، لأن القراءة والكتابة لم تكونا رفاهية للمجتمع، بل مفتاحاً للمعرفة والعمل والتطور.
لكن العالم اليوم تغيّر، دخلت التقنية إلى تفاصيل حياتنا حتى أصبحت بعض الخدمات والمعاملات والتعليم والعمل والتواصل مرتبطة بها بشكل مباشر. وهنا ظهرت صورة جديدة من الأمية؛ الأمية الرقمية.
قد يحمل أحدنا أحدث هاتف، ويستخدم مواقع التواصل يومياً، لكنه لا يعرف كيف يحمي حسابه، أو يتحقق من خبر قبل نشره، أو يميز الرابط الاحتيالي من الحقيقي، أو يحافظ على خصوصيته، أو يستفيد من الخدمات والمنصات الرقمية بطريقة صحيحة. وقد يكون شخص آخر قادراً على استخدام التطبيقات، لكنه لا يعرف كيف يبحث عن المعلومة الموثوقة أو يتعامل بوعي مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
إذن، الأمية الرقمية ليست أن تعجز عن تشغيل جهاز، وإنما أن تستخدم العالم الرقمي دون أن تمتلك الوعي الكافي لفهمه وإدارة مخاطره والاستفادة منه.
واللافت أن أسبابها ليست واحدة. فالتطور التقني سريع إلى درجة تجعل بعض المهارات التي تعلمناها بالأمس غير كافية اليوم. وهناك أيضاً فجوة بين الأجيال، وفروق في فرص التعليم والوصول إلى الأجهزة والإنترنت، إضافة إلى أن البعض اكتفى بتعلم الجانب الترفيهي من التقنية، بينما بقي بعيداً عن مهاراتها الأساسية.
لكن أخطر ما في الأمية الرقمية أنها قد لا تكون واضحة لصاحبها، فالشخص الذي لا يعرف القراءة يدرك غالباً أنه يحتاج إلى التعلم، أما الأمية الرقمية فقد تختبئ خلف الاستخدام اليومي للهاتف. قد نظن أننا بارعون في التقنية لأننا نعرف كيف نصوّر وننشر ونتصفح، بينما نكون في الحقيقة عاجزين عن حماية بياناتنا، أو التحقق من المعلومات، أو اكتشاف عمليات الاحتيال والتضليل.
وهنا تبدأ مسؤولية محو الأمية الرقمية. نحن لا نحتاج إلى تحويل الجميع إلى مبرمجين أو خبراء تقنية، وإنما نحتاج إلى بناء إنسان رقمي واعٍ؛ يعرف كيف يبحث، ويتحقق، ويحمي بياناته، ويتعامل مع التطبيقات والخدمات الإلكترونية، ويفهم أساسيات الذكاء الاصطناعي، ويعرف أن ما يظهر أمامه على الشاشة ليس بالضرورة حقيقة.
ويبدأ ذلك من المدرسة، لكن لا ينبغي أن ينتهي عندها. نحتاج إلى برامج مبسطة ومستمرة تستهدف مختلف الأعمار، خصوصاً كبار السن والآباء والأمهات، وأن تكون هذه البرامج عملية وقريبة من احتياجات الناس الحقيقية، لا مجرد مصطلحات تقنية معقدة.
كما أن الأسرة لها دور لا يقل أهمية؛ فكما نعلّم أبناءنا كيف يعبرون الشارع بأمان، علينا أن نعلّمهم كيف يعبرون العالم الرقمي بأمان. وأن نربيهم على السؤال قبل التصديق، والتحقق قبل النشر، والتفكير قبل مشاركة بياناتهم.
وفي المقابل، تقع مسؤولية على المؤسسات أيضاً، فكلما أصبحت الخدمات الرقمية جزءاً من حياة الناس، كان من الضروري أن تكون سهلة الاستخدام، واضحة، وآمنة، وأن تراعي من لم تتح لهم فرصة مواكبة التحول التقني بالسرعة نفسها. لقد نجحنا في الماضي في محو أمية القراءة والكتابة، واليوم نحن أمام تحدٍ جديد لا يقل أهمية، أن نعلّم الإنسان ليس فقط كيف يقرأ الكلمات، بل كيف يقرأ العالم الرقمي من حوله.