سارا القرني
أصبحنا نعيش في زمن لا يكفي فيه أن تكون سعيدًا، بل يبدو وكأن عليك أن تثبت للآخرين أنك سعيد. لا يكفي أن تسافر، بل يجب أن يعرف الجميع أين سافرت. ولا يكفي أن تنجح، بل عليك أن توثق نجاحك لحظة بلحظة. حتى التفاصيل التي كانت يومًا تخص الإنسان وحده، أصبحت مادة جاهزة للعرض أمام جمهور قد لا يعرف عنه شيئًا سوى ما اختار أن يريه.
والسؤال هنا ليس: هل مواقع التواصل سيئة؟ بالتأكيد لا. فقد صنعت فرصًا، وفتحت أبوابًا للعمل والمعرفة والتجارة، وغيّرت حياة كثيرين إلى الأفضل. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الإنسان من مستخدم لهذه المنصات إلى شخص يعيش من أجلها؛ حين يصبح رأي المتابعين أهم من شعوره الحقيقي، وعدد الإعجابات أهم من قيمة ما يقدمه.
الغريب أننا نرى يوميًا حياة تبدو مثالية: بيوت مرتبة، وجوه سعيدة، علاقات لا تعرف الخلاف، نجاحات متلاحقة، وسفر وهدايا ومناسبات. ثم نقارن هذه اللقطات بحياتنا كاملة، بكل تعبها وفوضاها ومشكلاتها. وهذه مقارنة ظالمة؛ لأننا نقارن كواليسنا بما اختاره الآخرون بعناية ليظهر على الشاشة.
ليس كل من يضحك أمام الكاميرا سعيدًا، وليس كل من يختفي تعيسًا. وليس كل من يتحدث عن النجاح ناجحًا، كما أن الإنسان الناجح فعلًا قد لا يجد وقتًا ليشرح للناس كل يوم ماذا يفعل. بعض الإنجازات تحدث في صمت، وبعض أجمل مراحل الحياة لا توجد لها صورة واحدة.
ربما أصبح الاستعراض عند البعض محاولة لصناعة قيمة مفقودة. وحين لا يجد الإنسان ما يشعره بأهميته في الواقع، قد يبحث عنها في عالم رقمي سريع المكافأة: صورة جميلة، تعليق، عدد مشاهدات، أو اهتمام مؤقت. المشكلة ليست في الصورة ولا في الإعجاب، بل في أن تصبح قيمتك مرتبطة بهما. لأن الجمهور الذي يرفعك اليوم قد ينشغل عنك غدًا، وعندها ماذا يتبقى منك لنفسك؟
القيمة الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى جمهور. قد تكون في مشروع تبنيه بصبر، أو علم تتعلمه، أو أسرة تمنحها وقتك، أو موهبة تطورها، أو عمل لا يصفق له أحد الآن لكنه سيغير مستقبلك لاحقًا. هناك أشياء تنمو في الظل، وحين تظهر تكون أقوى من كل الضجيج الذي سبقها.
أعتقد أن الإنسان حين يجد هدفًا حقيقيًا تتغير علاقته بالاستعراض تلقائيًا. يصبح مشغولًا بالبناء أكثر من الإعلان، وبالنتيجة أكثر من التصفيق. لا يعني ذلك أن يخفي نجاحه، بل أن يعرف الفرق بين مشاركة النجاح وبين العيش من أجل إثباته.
نحن لا نحتاج إلى أن نبدو ناجحين بقدر ما نحتاج إلى أن نكون ناجحين. ولا نحتاج إلى إقناع الآخرين بأن حياتنا جميلة، بل إلى أن نصنع حياة نشعر نحن بجمالها عندما تُغلق الشاشات ويغادر الجميع.
ربما يكون السؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا من وقت إلى آخر: لو اختفت مواقع التواصل غدًا، ما الذي سيبقى مني؟ ما المشروع الذي بنيته؟ ما المعرفة التي اكتسبتها؟ ما العلاقات الحقيقية التي حافظت عليها؟ وما الشيء الذي صنعته بعيدًا عن أعين الناس؟
فالإنسان الذي يعرف قيمته لا يحتاج أن يعلن عنها كل صباح. ومن يصنع شيئًا حقيقيًا قد يتأخر ظهوره، لكنه حين يظهر لا يحتاج إلى الكثير من الضجيج.
في النهاية، ليست المشكلة أن نشارك الآخرين لحظاتنا، بل أن ننسى أن نعيشها. أخشى أن يأتي يوم ننظر فيه إلى آلاف الصور التي وثقناها، ثم نكتشف أننا كنا مشغولين بإثبات أننا نعيش.. أكثر من انشغالنا بالحياة نفسها.