رمضان جريدي العنزي
الصبر يُقَلِّم أظافر الخطوب، ويكسر حدّة النوائب؛ فما من شدةٍ إلا ولها انقضاء، ولا من ليلٍ مهما طال إلا ويعقبه فجر، والرجل الذي يعرف كيف يصبر، لا تهزمه الأيام؛ قد تُثقله، وقد تؤلمه، وقد تضع في طريقه من العوائق ما يضيق به الصدر، لكنها لا تنال من ثباته، ولا تنتزع منه يقينه، فالصبر ليس استسلامًا للوجع، ولا رضوخًا للنكبات، وإنما هو قوةٌ هادئة تُحسن الوقوف حين تتساقط الأشياء من حولك، وعقلٌ يعرف أن بعض المعارك لا تُحسم بالقوة، وإنما بطول النفس وحسن الاحتمال، ومن صبر على مرارة الطريق، بلغ غايته مرفوع الرأس؛ فالأيام لا تكافئ الأكثر صخبًا، ولا تمنح النصر لمن أكثر شكوى، وإنما تُنصف من ثبت حين كان الانهيار أسهل، ومضى حين ظن الآخرون أن الطريق قد انتهى، إن بعض المراحل لا تُطلب فيها السرعة، بل الثبات؛ ولا تحتاج فيها إلى كثرة الكلام، بل إلى قلبٍ يعرف أن العاصفة، مهما اشتدت، لا يمكن أن تبقى إلى الأبد، ومن صبر على المرارات، خرج منها أصلب عودًا، وأشد بأسًا، وأعرف بنفسه وبالناس وبالحياة، فالألم الذي لم يكسرْك، علّمك، والانتظار الذي أوجعك، نضّجك، والشدائد التي ظننت أنها جاءت لتسقطك، قد تكون هي التي صنعت منك رجلًا لا تسقطه الأيام بسهولة، والصبر الحقيقي أن تتألم دون أن تتحول إلى ناقم، وأن تُخذل دون أن تفقد أخلاقك، وأن تضيق بك الحياة دون أن تضيق رحمتك بالناس، وأن تتأخر أمنياتك دون أن تفقد يقينك بأن لكل شيءٍ موعدًا، فالأيام لا ترحم الضعف، ولا تحفظ دمعة المنهزم، لكنها تكشف معدن الرجال؛ فمنهم من تسحقه الشدة، ومنهم من تصقله، ومنهم من تهدمه العواصف، ومنهم من تزداد جذوره رسوخًا كلما اشتدت الريح، فاثبت؛ فإن أشدَّ ساعات الليل حلكةً هي أقربها إلى الفجر، وأثقل خطوات الطريق قد تكون تلك التي تقودك إلى غايتك.
عضَّ على جرحك، واحمل وجعك بصمت، وأكمل طريقك؛ فما كل صامتٍ ضعيف، ولا كل متألمٍ منكسر، بعض الرجال لا يُعرف قدرهم حين تبتسم لهم الحياة، وإنما يُعرفون حين تنزع عنهم كل أسباب القوة، ثم يمضون رغم ذلك، مرفوعي الرأس، ثابتي الخطى، لا يستجدون من الدنيا رحمة، ولا من الناس شفقة.