علي حسن حسون
نعيش في بعض الأيام حالة من التردد في أداء ما يجب علينا أداؤه، فتتكون لدينا هالة من التردد تمتد معنا لفترة طويلة، وتظهر في أوقات معينة من اليوم، لنشعر أننا وسط دوامة من التفكير والقلق النابع من التردد في بدء الفعل. مع أن الفعل بحد ذاته ليس بالأمر الصعب، ولا يتطلب منا المزيد من الجهد، بل على العكس، فهو أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه فعل غاية في السهولة.
لماذا يتردد الإنسان في القيام بأمر ما؟ هل لأنه يشعر بالخوف أو القلق أو بعدم الثقة بالنفس؟ أم لأنه، بتعبير آخر، يريد أن يكون كل ما يقوم به خاليًا من الأخطاء أو العثرات؟ هذه العملية تسمى المثالية المفرطة، وهنا تكمن المشكلة. هل سألت نفسك يومًا: هل أنا أحب المثالية أم لا؟
ما هي المثالية؟ بشكل مبسط، هي الوصول إلى أفضل صورة ممكنة في جميع جوانب الحياة، سواء كانت شخصية أو عملية، وحتى في القرارات التي نود اتخاذها.
إذا كنت ممن يحبون أن يكونوا ضمن الأشخاص المثاليين، الذين يسعون إلى الكمال الكامل، فمرحبًا بك معنا في فريق الطامحين المتولعين بالمثالية، والساعين إلى إظهار أحسن ما يمكن إظهاره للعالم الخارجي. وخذ هذه المميزات التي يمتاز بها فريقنا:
الأولى: نحن لا نعطي أهمية للوقت بقدر ما يجب أن يكون عليه المنتج الذي نعمل عليه، ونود إظهاره، وما هي الصورة النهائية لذلك المنتج.
فالوقت بالنسبة لنا ليس هو القضية، المهم أن نصل إلى تلك الصورة التي نراها كاملة، حتى وإن استغرق الوصول إليها وقتًا أطول مما ينبغي.
الثانية: عليك أن تتخلى عن كل ما هو حولك، وتكرس جهدك وتفكيرك فقط في هذا العمل الذي أنت فيه، بحيث تعيش وسط الركام الذي يصنعه عقلك، وتحاول الوصول إلى قمة ذلك الركام.
كل شيء من حولك يمكن تأجيله، فالمهمة التي أمامك أهم، والتفاصيل الصغيرة التي قد لا يلاحظها أحد يجب أن تحظى باهتمامك الكامل، لأنك ببساطة تبحث عن الكمال.
الثالثة: ثق تمامًا أنك ستصاب بمتلازمة التردد والقلق طوال فترة العمل، وقد تصاب ببعض الإحباط، لكن الأمر الذي قمت من أجله سيكون حافزًا لك بأن تستمر في البحث عن أكمل صورة قد تروق لك.
ستعيد التفكير، وتراجع، وتغير، ثم تعود من جديد إلى نقطة البداية، لأنك دائمًا تشعر أن هناك شيئًا ما يمكن تحسينه، حتى وإن كان العمل في الأساس جيدًا ولا يحتاج إلى كل هذا العناء.
الرابعة: يجب أن تعلم أنك أنت ممن يعرقلون سير العمل لمن حولك، وسيكون الاعتماد عليك في بعض الحالات النادرة وغير المستعجلة، لأنك تبحث عن الجودة في بعض الأمور التي لا تتطلب كل ذلك.
فأنت لا تريد أن تسلّم العمل إلا عندما تشعر أنه وصل إلى الصورة التي ترضي طموحك، بينما قد يكون المطلوب ببساطة إنجاز المهمة في وقتها، دون الحاجة إلى كل هذا البحث عن الكمال.
في نهاية الأمر، يجب علينا أن نفرق بين المثالية الإيجابية والمثالية المفرطة، وأن ندرك أن الخطأ جزء من اللعبة، وأنه أمر طبيعي في الحياة. فالعمل على التطوير والإتقان شيء مهم جدًا، وهذا أمر غاية في الأهمية، لكن سعيك إلى أن تكون الأوحد والأميز في كل شيء قد يجعلك إنسانًا مترددًا دائمًا، حتى في أبسط الأمور، وهذا ما سيبقيك في فلك مصنوع من الوهم، وهو من صنع يديك. ليس كل ما نود القيام به يستدعي أن نكون مترددين، متأخرين، وبطيئين في إنجاز الأمر. اعمل وامضِ، واعلم أنك بشر تصيب وتخطئ، ولست ملاكًا خاليًا من الأخطاء.
واعلم أنه ليس هناك ثمة شيء يستحق أن نتردد في فعله.
فالندم عادةً يكون على الشيء الذي لم نفعله أكبر من الندم على الشيء الذي فعلناه، فلا تكترث كثيرًا، ولا تجعل بحثك عن الكمال سببًا في أن تفوّت عليك فرصًا كان يكفيها فقط أن تبدأ.