سلمان المشلحي
المتابع لما تشهده المنطقة منذ اتساع دائرة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ووكلائها من جهة أخرى، يجد نفسه أمام مشهد يتجاوز تبادل الضربات العسكرية إلى صراع إرادات طويل، تُستخدم فيه الجغرافيا والممرات البحرية والاقتصاد والطاقة أوراقاً لا تقل تأثيراً عن الصواريخ والطائرات.
ومع بقاء مضيق هرمز محوراً رئيساً في هذه المواجهة منذ بدايتها، يبرز باب المندب اليوم لينضم إلى أوراق الضغط في مشهد يزداد تعقيداً، فإيران التي تمثل لاعباً رئيساً في معادلة هرمز، تجد في تحركات الحوثيين عند باب المندب ورقة ضغط إضافية، بما يجعل اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم حاضرين في معادلة واحدة، ويضاعف حساسية المشهد بالنسبة لدول المنطقة والاقتصاد العالمي.
من هنا يأتي الموقف الأمريكي الأخير ليفتح باباً واسعاً للتساؤلات، خصوصاً بعد حديث الرئيس ترامب في دبلن عن أن الحوثيين لا يريدون مواجهة الولايات المتحدة، في وقت لا تزال فيه واشنطن تراقب تطورات باب المندب دون الانتقال إلى تدخل عسكري مباشر ضدهم.
وهنا يبرز السؤال: هل نحن أمام عجز أمريكي عن حسم المواجهة، أم أمام حسابات سياسية وعسكرية أكثر تعقيداً؟
إيران، رغم الضربات القاسية التي تعرضت لها وما لحق ببنيتها التحتية ومنشآتها وقدراتها من دمار ستحتاج معه إلى سنوات وتكلفة باهظة لإعادة البناء والتعافي، لا تزال تراهن على عامل الوقت واتساع ساحات المواجهة، وهي وإن دفعت ثمناً كبيراً لهذه الحرب، فإنها تبدو في المقابل متمسكة باستراتيجية تقوم على امتصاص الضربات وتوزيع أوراق الضغط على أكثر من جبهة، مستفيدة من امتداد نفوذ وكلائها في المنطقة، وموقعها المؤثر في معادلة مضيق هرمز، وما يمثله باب المندب اليوم من جبهة إضافية تزيد المشهد تعقيداً.
وهنا تبدو المواجهة أبعد من مجرد مقارنة بين حجم القوة العسكرية لدى الطرفين؛ فالتفوق الأمريكي في القدرة على إلحاق الضرر لا يعني بالضرورة حسم الصراع سريعاً، كما أن قدرة إيران ووكلائها على الصمود لا تعني خروجهم منه بلا خسائر، وبين قوة تضرب وتدمر، وطرف يتحمل التكلفة ويراهن على الوقت واتساع المواجهة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: مَن يملك النَّفَس الأطول؟
قد يكون الرهان الإيراني اليوم على إطالة أمد المواجهة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر، وما يمكن أن تفرضه تكلفة الحرب واستمرارها على حسابات الداخل الأمريكي.
لذلك، ربما يكون مبكراً القول إن أمريكا عجزت أمام إيران، كما أنه من المبكر القول إن إيران نجحت في فرض شروطها، لكن المؤكد أن انضمام باب المندب إلى مضيق هرمز في معادلة الضغط يكشف أن المواجهة لم تعد تبحث فقط عن المنتصر في الميدان، بل عمّن يستطيع الصمود أطول، ومن سيدفع الثمن الأكبر حتى تصل الأطراف إلى طاولة المفاوضات.