إبراهيم بن يوسف المالك
تتغير طبيعة المخاطر الاقتصادية عندما لا يعود الخطر مجرد احتمال يمكن تسعيره داخل الأدوات القائمة، وإنما يصبح اختباراً لقدرة تلك الأدوات نفسها على الاستمرار في أداء وظيفتها. ففي الظروف المستقرة تبدو المؤسسات والأسواق أكثر قدرة على التعامل مع المخاطر، وتتحول الافتراضات التي قامت عليها إلى مسلمات يصعب ملاحظتها أو مساءلتها. لكن التحولات الجيوسياسية الكبرى تكشف أحياناً أن المشكلة لا تكمن في ارتفاع مستوى الخطر وحده، وإنما في أن البيئة التي صُممت المؤسسات والأسواق للتعامل معها لم تعد هي البيئة التي تعمل فيها.
من هنا يصبح التأمين أكثر من مجرد أداة مالية لتعويض الخسائر أو إدارة المخاطر. فهو من أكثر الأسواق حساسية تجاه التحولات التي تحدث تحت سطح الاقتصاد، لأنه مضطر إلى تحويل عدم اليقين إلى سعر، والسعر إلى قدرة على التأمين، والقدرة على التأمين إلى قرار اقتصادي. وعندما تتغير درجة المخاطر، لا يتغير السعر وحده، بل قد تتغير حدود التغطية والقدرة على تحمل الخسائر، وفي هذه اللحظة يبدأ السوق في الكشف عن حدود البنية التي كانت تستوعب الخطر.
وقد كتبت في هذه الزاوية سابقاً عن التأمين بوصفه سوقاً يعيد اختبار افتراضاتنا. وما يستحق التوقف عنده اليوم أن هذا الاختبار قد يقود إلى ما هو أبعد من إعادة التسعير، إذ يمكن أن يكشف أن البنية المؤسسية التي اعتدنا الاعتماد عليها لاستيعاب المخاطر تحتاج هي الأخرى إلى إعادة تصميم عندما تتغير طبيعة الخطر أو يتجاوز حجمه قدرتها على التعامل معه.
التطورات الأخيرة في التأمين البحري تقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فالتوترات الجيوسياسية التي طالت بعض الممرات التجارية لم ترفع فقط احتمالات الخسارة، وإنما أعادت تشكيل العلاقة بين الأمن والتجارة والنقل والتأمين. وعندما يصبح عبور سفينة في منطقة معينة أكثر خطورة، فإن أثر ذلك لا يتوقف عند مالك السفينة أو شركة التأمين، بل يمتد إلى تكلفة الشحن ومسارات التجارة وسلاسل الإمداد، وفي النهاية إلى قدرة الاقتصاد على الحفاظ على انسيابية النشاط الذي يعتمد على تلك الممرات.
وهنا لا يعود ارتفاع تكلفة التأمين مجرد رقم يضاف إلى فاتورة النقل، بل يصبح إشارة إلى تغير أعمق في البيئة التي تتحرك فيها التجارة. فالسعر يعكس تقديراً لاحتمال الخسارة، لكنه يعكس أيضاً مستوى الثقة في قدرة المنظومة المحيطة بالخطر على احتوائه. وعندما تتغير هذه الثقة، تبدأ الأسواق في إعادة تقييم افتراضات كانت تبدو مستقرة وطبيعية، رغم أن الخطر كان موجوداً فيها منذ البداية دون أن يكون قد فرض نفسه على القرارات بالدرجة ذاتها.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم أهمية إنشاء الوعاء السعودي لتأمين أخطار الحرب للبضائع والسفن بعيداً عن كونه مجرد أداة تأمينية جديدة. فالمغزى الأعمق هو أن بعض المخاطر أصبحت تستدعي التفكير في القدرة المؤسسية التي تستوعبها، وليس فقط في الأدوات التي تسعرها. وحين تتغير طبيعة المخاطر بهذه الصورة، فإن تحسين أداء المؤسسات القائمة قد لا يكون كافياً، لأن المشكلة قد تكون في البنية نفسها التي صُممت لاستيعاب تلك المخاطر.
ولا يعني ذلك أن السوق لم يعد قادراً على أداء دوره، أو أن الدولة ينبغي أن تحل محله. فالسوق يظل الآلية الأساسية لتسعير المخاطر وتوزيعها، لكن بعض المخاطر الجيوسياسية قد تتسم بالاتساع والتزامن وسرعة الانتقال بين القطاعات، بما يجعل الحاجة إلى قدرة إضافية على استيعابها جزءاً من حماية السوق نفسه وقدرته على الاستمرار.
وهنا يصبح الفرق مهماً بين استيعاب الخطر وإخفائه. فزيادة القدرة التأمينية لا ينبغي أن تعني إلغاء الإشارة التي يرسلها السعر، لأن ارتفاع تكلفة التأمين في بيئة مضطربة يحمل معلومة اقتصادية مهمة عن تغير مستوى المخاطر. المطلوب هو أن تتوافر القدرة على التعامل مع هذه الإشارة دون أن تتحول إلى تعطيل للنشاط الاقتصادي، وأن تتوافر من المرونة ما يسمح باستمرار الحركة حتى عندما تصبح البيئة أكثر تقلباً.
لكن المخاطر الجيوسياسية لا تبقى داخل القطاع الذي تبدأ فيه. فهي تنتقل من الممر البحري إلى التأمين، ومن التأمين إلى النقل، ومن النقل إلى سلاسل الإمداد، ثم إلى التجارة والتمويل والاستثمار. ولذلك فإن التعامل معها لا يمكن أن يظل قائماً على قراءة كل قطاع بصورة منفصلة، لأن ما يبدو مشكلة تأمينية في مرحلة قد يتحول إلى مشكلة لوجستية أو تجارية أو مالية في مرحلة أخرى.
وهنا تبرز الحاجة إلى بنية وطنية لإدارة المخاطر الجيوسياسية، لا بمعنى إنشاء جهاز جديد يضاف إلى الأجهزة القائمة، وإنما بمعنى امتلاك قدرة مؤسسية على رؤية الخطر في صورته المتكاملة، وفهم كيفية انتقاله بين القطاعات، واختبار الافتراضات التي تقوم عليها القرارات الاقتصادية قبل أن يفرض الواقع اختبارها.
فالاقتصاد المرن ليس الاقتصاد الذي يخلو من المخاطر، وإنما الاقتصاد الذي يستطيع امتصاصها دون أن يفقد قدرته على الحركة. وهذه القدرة لا تعتمد على حجم الموارد وحده، بل على جودة البنية التي تربط بين معرفة الخطر وتسعيره وتمويله وتوزيعه والاستجابة له.
وقد يكون هذا هو الدرس الأهم في التحولات الحالية. فالمخاطر لا تختبر قدرة المؤسسات على مواجهتها فقط، وإنما تختبر الافتراضات التي قامت عليها تلك المؤسسات. وما كان مناسباً لبيئة مستقرة قد لا يكون كافياً لبيئة تتغير فيها الجغرافيا الاقتصادية والأمنية بسرعة أكبر من قدرة بعض البنى التقليدية على التكيف.
لذلك فإن إدارة المخاطر لا ينبغي أن تنحصر في بناء أدوات أفضل للتعامل مع الخطر بعد ظهوره، وإنما في بناء قدرة مؤسسية على اكتشاف متى تغيرت طبيعة الخطر نفسه، ومتى أصبحت الأدوات القائمة أقل ملاءمة له، ومتى أصبح من الضروري إعادة تصميم البنية التي تستوعبه.
في النهاية، لا تكمن قوة الاقتصاد في قدرته على توقع كل ما سيحدث، وإنما في قدرته على الاستمرار عندما يحدث ما لم يكن متوقعاً. والمؤسسات الأكثر نضجاً ليست تلك التي تفترض ثبات البيئة التي تعمل فيها، بل تلك التي تعرف أن استقرار هذه البيئة نفسه افتراض قابل للاختبار.
وعندما تكشف المخاطر أن البنية التي صُممت لاستيعابها لم تعد كافية، فإن الاستجابة لا تكون دائماً بإضافة أداة جديدة داخل البنية القائمة، وإنما قد تكون بإعادة تصميم البنية نفسها بحيث يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على التكيف مع عالم تتغير فيه المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات.
وهنا يعود التأمين إلى موقعه الحقيقي: ليس مجرد سوق لتعويض الخسائر، وإنما إحدى الأدوات التي تكشف لنا مبكراً ما إذا كانت البنية التي يقوم عليها الاقتصاد لا تزال قادرة على استيعاب العالم الذي تعمل فيه.