د.شريف بن محمد الأتربي
مع ظهور نتائج تقييم بيزا 2025، ولفت الانتباه إلى ارتفاع نسبة الغياب، أرى أننا بحاجة إلى أن نقف لحظات مع أنفسنا، لا لنسأل فقط: لماذا غاب الطلبة؟ بل لنسأل سؤالًا أعمق وأكثر إزعاجًا: لماذا لم تعد المدرسة مكانًا يحرص الطالب على الحضور إليه؟
فور ظهور أي نتيجة تعليمية، تبدأ عادة رحلة البحث عن الأسباب، وتتجه الأنظار غالبًا إلى المناهج، والمعلمين، وأساليب التدريس، والاختبارات، والبيئة التعليمية، وغيرها من العوامل التي تؤثر بلا شك في مستوى التحصيل. لكن ثمة مؤشرًا يسبق كل ذلك ويستحق أن نتوقف عنده طويلًا: هل يريد الطالب أصلًا أن يكون في المدرسة؟
ارتفاع الغياب ليس مجرد مشكلة انضباطية يمكن التعامل معها بسلسلة من القرارات والإجراءات والعقوبات، فالقرارات قد تجبر الطالب على الحضور، لكنها لا تستطيع أن تجعله راغبًا في الحضور. وهذه هي المسافة التي ينبغي أن ننتبه إليها.
لقد اتخذت وزارة التعليم خلال السنوات الماضية قرارات وإجراءات متعددة لضبط الحضور والغياب، سواء خلال أيام الدراسة العادية أو في فترات الاختبارات، ومنها تنظيم الاختبارات داخل اليوم الدراسي وخلال الحصص الدراسية. وهي قرارات تستهدف بلا شك رفع الانضباط وتحقيق العدالة وتنظيم العملية التعليمية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكفي القرارات وحدها لصناعة الحضور؟
من وجهة نظري كتربوي، لا.
فالانضباط الحقيقي لا يُبنى بالخوف من تسجيل الغياب فقط، وإنما يبدأ عندما يشعر الطالب أن وجوده في المدرسة له قيمة، وأن غيابه يعني أنه سيفوّت شيئًا يحبه، أو تجربة ينتظرها، أو منافسة يريد أن يكون جزءًا منها، أو صديقًا يفتقده، أو معلمًا يستمتع بالتعلم معه.
وهنا نعود إلى السؤال الذي ظل يتردد منذ عشرات السنين: لماذا ينفر بعض الطلبة من المدرسة ويفرحون بالغياب أو بتعليق الدراسة؟
لماذا يتحول خبر تعليق الدراسة إلى مناسبة للفرح، بينما لا يكون خبر العودة إليها بالقدر نفسه من الحماس؟
قد يكون جزء من الإجابة أننا ما زلنا ننظر إلى المدرسة في كثير من الأحيان باعتبارها المكان الذي يأتي إليه الطالب ليتعلم فقط، بينما يعيش الطالب خارجها حياة مختلفة تمامًا؛ حياة مليئة بالتفاعل، والتقنية، والألعاب، والتحديات، والمنافسات، وصناعة المحتوى، والتواصل، والاستكشاف، وسرعة الحصول على المعلومة.
ثم نطلب منه أن يدخل المدرسة فيجد ساعات طويلة من الجلوس والاستماع والانتظار، ثم نطالبه بأن يكون متحمسًا للحضور!
المشكلة إذن ليست دائمًا في الطالب، وإنما أحيانًا في التجربة التي نقدمها له.
نحن لا نحتاج إلى مدرسة تجعل الطالب يحضر خوفًا من الغياب، بل نحتاج إلى مدرسة تجعل الطالب يقول في صباح الأحد: متى أصل إلى المدرسة؟
نحتاج إلى أنشطة وبرامج جاذبة تجعل الطالب ينتظر بداية الأسبوع، لا أن ينتظر نهايته. نحتاج إلى أن تصبح المدرسة مجتمعًا حيًا يشعر فيه الطالب أنه ينتمي إلى مكان، لا مجرد مبنى يدخل إليه في الصباح ويغادره بعد انتهاء الحصص.
نريد أن نبني ارتباطًا نفسيًا حقيقيًا بين الطالب ومدرسته، وبين الطالب وزملائه، وبين الطالب ومعلميه. ارتباطًا يجعل المدرسة جزءًا من حياته، وليس مرحلة مفروضة عليه.
فالطالب يمكن أن يحضر إلى المدرسة بهدف آخر غير الحضور من أجل الحصة والاختبار.
يمكن أن يحضر لأنه ينتظر دوريًا رياضيًا، أو منافسة علمية، أو ناديًا للبرمجة والذكاء الاصطناعي، أو مشروعًا ابتكاريًا، أو فريقًا لصناعة المحتوى، أو مسابقة للمناظرات، أو تجربة علمية، أو مسرحية، أو معرضًا، أو تحديًا بين المدارس، أو مشروعًا يخدم مجتمعه.
يمكن أن تكون لديه مساحة يكتشف فيها موهبته، ويجرب، ويفشل، ويعيد المحاولة، ويعرض إنتاجه، ويحصل على تقدير زملائه ومعلميه.
نريد حضورًا له معنى، لا حضورًا لإثبات الحضور.
وهنا ينبغي أن نعيد التفكير في مفهوم النشاط المدرسي نفسه. فالأنشطة ليست حشوًا يملأ الفراغ بين الحصص، وليست برامج جانبية تُنفذ لأن الخطة تطلب ذلك. النشاط الجيد يمكن أن يكون أحد أهم أدوات بناء الانتماء المدرسي، وأحد أقوى محفزات الحضور، وأحد أكثر المداخل تأثيرًا في اكتشاف قدرات الطالب.
نريد أن ننتقل من النشاط الذي يقال للطالب: «شارك»، إلى نشاط يقول له: «ماذا تستطيع أن تصنع؟»
نريد أن نثير شهية الطالب نحو البحث والابتكار، وأن نمنحه تحديات حقيقية تتناسب مع عالمه، وتستخدم الأدوات التي يعيش معها، بدل أن نقدم له مدرسة منفصلة عن حياته خارج أسوارها.
فالطالب الذي يقضي ساعات في المنافسة داخل الألعاب الرقمية، ويتابع التحديات، ويجمع النقاط، ويصعد المستويات، ويبحث عن الفوز، يمكن أن نوظف هذه الروح التنافسية داخل المدرسة بطريقة تربوية ذكية.
لماذا لا يكون للمدرسة نظام تنافسي متكامل، يحصل فيه الطالب على نقاط ومكافآت معنوية مقابل مشاركته في البحث والابتكار والقراءة والرياضة والعمل التطوعي، وخدمة المجتمع، والمشروعات العلمية، والفنية؟
لماذا لا تتنافس الفصول والمدارس في تحديات معرفية وابتكارية ورياضية ومجتمعية، ويكون للطالب دور حقيقي في صناعة الفوز؟
ولماذا لا يصبح للطالب سجل إنجاز مدرسي يتجاوز درجات الاختبارات، ويعكس مواهبه، ومهاراته، ومشاركاته وإسهاماته؟
هذه ليست أفكارًا للترفيه عن الطالب، بل هي جزء من إعادة بناء علاقته بالمدرسة.
فالانتماء لا يُدرّس في كتاب، ولا يُفرض بقرار. الانتماء تجربة يعيشها الطالب ويشعر بها.
وعندما يشعر الطالب أن له مكانًا في مدرسته، وأن صوته مسموع، وأن موهبته مقدرة، وأن نجاحه لا يقاس فقط بدرجة اختبار، وأن لديه أصدقاء ومشروعات وتحديات ينتظرها، فإن الحضور يتحول تدريجيًا من واجب إلى رغبة.
وهنا تحديدًا ينبغي أن نتعامل مع ظاهرة الغياب بوصفها مؤشرًا تربويًا لا مجرد مخالفة انضباطية.
فالطالب الذي يغيب كثيرًا قد يكون لديه سبب أسري، أو صحي أو نفسي أو تعليمي، وقد يكون ببساطة لا يجد في المدرسة ما يجعله راغبًا في الحضور. ولذلك فإن معالجة الغياب يجب أن تبدأ بالسؤال: ما الذي جعل هذا الطالب لا يريد أن يكون هنا؟ قبل أن تبدأ بالسؤال: كيف نعاقبه لأنه لم يحضر؟
لا يعني ذلك التهاون في الانضباط، فالانضباط قيمة أساسية في المدرسة والحياة، لكن الفرق كبير بين أن نصنع الانضباط بالرقابة والعقوبة، وأن نصنعه بالمسؤولية والانتماء.
ولعل نتائج بيزا 2025 تمنحنا فرصة لإعادة النظر في هذه المسألة من زاوية أوسع. فقبل أن نسأل كيف نرفع درجات الطالب في الاختبار الدولي، علينا أن نسأل كيف نجعله أكثر ارتباطًا بالتعلم، وأكثر حضورًا في المدرسة، وأكثر رغبة في المعرفة.
فقد لا تكون القضية في أن الطالب لا يريد أن يتعلم، وإنما في أننا لم ننجح بعد في أن نجعل المدرسة المكان الذي يريد أن يتعلم فيه.
لقد تغير الطالب، وتغير العالم من حوله، وتغيرت أدوات المعرفة، وتغيرت طريقة تفاعله مع المعلومات والتقنية والمجتمع. ومن ثم لا يمكن أن تظل المدرسة تعمل بالمنطق نفسه الذي صُممت به قبل عقود طويلة.
لسنا بحاجة إلى مدرسة تعود بنا إلى أسلوب تدريس الكتاتيب القديمة في أدواتها وأساليبها، وإنما إلى مدرسة تفهم طالب اليوم وتستثمر شغفه وأدواته وطموحه وتنافسيته، وتحوّلها إلى طاقة تعليمية منتجة.
نريد مدرسة إذا غاب عنها الطالب شعر أنه خسر شيئًا.
نريد مدرسة ينتظر فيها الطالب مشروعه، وفريقه، ومعلمه، ومنافسته، وتجربته، وصديقه.
نريد مدرسة لا يكون السؤال فيها: كيف نمنع الطالب من الغياب؟
بل السؤال الأهم:
كيف نبني مدرسة لا يريد الطالب أن يغيب عنها؟
وربما تكون هذه هي البداية الحقيقية لمعالجة الغياب، ولتحسين نواتج التعلم، ولإعادة بناء علاقة الطالب بالمدرسة؛ لأن الطالب حين يحب مدرسته، ويشعر بالانتماء إليها، ويجد فيها ما يثير فضوله ويشبع شغفه، لن نحتاج إلى أن نقنعه بالحضور كل صباح.
سيأتي... لأنه يريد أن يأتي.