سعدون مطلق السوارج
في الجزيرة العربية، لم يكن الصيد يومًا مجرد مطاردة عابرة في فضاء الصحراء؛ كان معرفةً بالمكان، وقراءةً للموسم، وخبرةً بالريح ومسارات الطرائد، وعلاقةً نشأت بين الإنسان وبيئته عبر أجيال طويلة. ومن هذه الذاكرة البرية التي حفظها الآباء، تكتب المملكة العربية السعودية اليوم فصلًا جديدًا من تاريخ الصيد، لكن بلغة مختلفة: لغة العلم والبيانات والتنظيم والاستدامة.
هنا لا تختفي الهواية أمام التنظيم، ولا يتراجع الموروث أمام متطلبات البيئة؛ بل تلتقي الذاكرة بالمستقبل في منظومة وطنية تقول بوضوح إن ما نحبه من تراثنا لا يمكن أن يستمر إلا إذا حافظنا على البيئة التي نشأ فيها.
من هذه الرؤية ينطلق موسم الصيد المستدام في المملكة للعام 2026 – 2027، الذي بدأ في الأول من سبتمبر ويستمر حتى 31 يناير 2027، وهو الموسم السادس منذ بدء التجربة المنظمة عام 2021.
يأتي هذا الموسم بتحديثات لافتة؛ إذ ارتفع عدد الأنواع المسموح بصيدها إلى 30 نوعًا، وزادت الحصة الوطنية بنسبة 11 %، كما ارتفع عدد الرخص بنسبة 34 %، مع استمرار الحظر الدائم على صيد الأنواع المهددة بالانقراض.
وهذه الأرقام لا ينبغي قراءتها باعتبارها تفاصيل تنظيمية فحسب؛ فهي تكشف عن فلسفة كاملة في إدارة الموارد الطبيعية: السعودية لا تدير موسم الصيد بقرار ثابت؛ بل بمنهج يتعلم من كل موسم.
فالمواسم الخمسة الماضية لم تكن مجرد سنوات متتابعة، وإنما راكمت للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية قاعدة من البيانات والمعرفة والرصد والتقييم، مكّنته من تحديد الأنواع والحصص وأعداد الرخص وفق حالة الأنواع وقدرتها على التجدد واستدامة أعدادها. ولذلك جاءت زيادة الأنواع والحصة والرخص في الموسم الحالي نتيجةً لمنهجية علمية ومتابعة مستمرة، لا باعتبارها توسعًا منفصلًا عن الاعتبارات البيئية.
وهنا تكمن قيمة التجربة السعودية؛ فالدولة التي تنظم الصيد لا تحمي الطريدة وحدها، إنها تحمي استمرار الهواية نفسها.
من هواية الآباء إلى منظومة وطنية
الصقارة والصيد في الذاكرة الخليجية والعربية ليسا مجرد نشاط ترفيهي؛ إنهما جزء من ثقافة المكان، ومن علاقة الإنسان بالصحراء وما فيها من كائنات وموارد. ولهذا لم تتعامل المملكة مع هذه الهوايات بوصفها ماضيًا ينبغي أن يبقى في الذاكرة، وإنما بوصفها موروثًا يمكن أن يعيش في الحاضر إذا وجد الإطار الذي يحفظه.
ويظهر ذلك في الدور الذي يؤديه نادي الصقور السعودي، الذي لم تعد فعالياته مقتصرة على الاحتفاء بالهواية، بل أصبحت منظومة متكاملة تجمع المزادات والفعاليات والمسابقات والخدمات وتنظيم التعاملات المرتبطة بالصقور. ويشهد عام 2026 مزاد نادي الصقور السعودي للصقور المحلية من الأول من أكتوبر إلى 30 نوفمبر، إلى جانب مزاد مربي الصقور الدوليين الذي أقيم في الرياض خلال أغسطس، وفعاليات أخرى تعكس اتساع الحضور السعودي في عالم الصقارة.
الأهم أن الاقتصاد هنا لا يأتي على حساب الموروث، بل يتحرك من داخله؛ فالمزاد ينظم البيع والشراء، ويوفر الخدمات للطواريح، ويمنح الهواية مساحة اقتصادية وثقافية أكثر تنظيمًا، مع التوعية بحماية السلالات المهددة ومنع بيعها. وهكذا يتحول التراث من ممارسة فردية إلى منظومة لها مؤسساتها وأسواقها وفعالياتها وجمهورها.
ما كان بالأمس معرفةً يتناقلها أهل البر، أصبح اليوم معرفةً مؤسسية تحرسها البيانات والأنظمة؛ وما كان هوايةً فردية، أصبح جزءًا من منظومة وطنية ترى في الاستدامة شرطًا لبقاء التراث.
المركز الوطني.. حين تتحدث الطبيعة بلغة البيانات
ربما يكون التحول الأعمق في التجربة السعودية هو انتقال إدارة الصيد من الاعتماد على الانطباع والخبرة الفردية وحدهما، إلى إدارة تستند إلى الرصد والدراسة والبيانات.
فالمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية لا يحدد الأنواع والحصص ومواعيد الصيد بصورة اعتباطية، وإنما يبني قراراته على تقييم حالة الأنواع، ونتائج الرصد والدراسات، وتقييم المواسم السابقة، مع مراعاة أفضل الممارسات والالتزامات الدولية. وهذا هو الفارق بين تنظيم يضع حدودًا للهواية، وتنظيم يجعل الهواية نفسها قابلة للاستمرار.
ولهذا جاءت منظومة التصاريح عبر منصة «فطري»، وربط تراخيص الأنواع المسموح صيدها بالصقور بشهادة ملكية الصقر أو جوازه، بما يعزز موثوقية البيانات ويرفع مستوى الامتثال. كما حددت المنظومة الأنواع والمواقع والمواسم ووسائل الصيد، وحظرت الوسائل غير النظامية، مع استمرار المنع الدائم لصيد الأنواع المهددة بالانقراض. وتتعاون القوات الخاصة للأمن البيئي والجهات الأمنية ذات العلاقة مع المركز في ضبط المخالفين.
وهذا يعني أن الاستدامة ليست كلمة تُكتب في مقدمة موسم الصيد، بل منظومة تبدأ من المعلومة، وتمر بالتنظيم والترخيص، وتنتهي بالرقابة والالتزام.
من حدود المملكة إلى أفق الإقليم
ولا تتوقف أهمية التجربة السعودية عند حدودها الجغرافية. فالطيور المهاجرة لا تعرف الحدود السياسية؛ وما يمر فوق المملكة اليوم قد يعبر غدًا إلى دولة أخرى، ولذلك فإن حماية الأنواع المهاجرة لا يمكن أن تنجح بجهد منفرد.
ومن هنا تكتسب الرياض أهمية خاصة في هذا الملف؛ فقد استضافت في مايو 2025 الاجتماع الأول لفريق العمل الحكومي الدولي المعني بمكافحة الأخذ غير النظامي للطيور المهاجرة في جنوب غرب آسيا، ضمن اتفاقية الأنواع المهاجرة، بمشاركة عشر دول بينها المملكة والكويت ودول خليجية وعربية أخرى. ويهدف الفريق إلى مواجهة الصيد والأخذ والاتجار غير النظامي بالطيور المهاجرة وتعزيز التعاون الإقليمي في حمايتها.
وفي 2026 حصل المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية على تصنيف «Champion Plus» من اتفاقية الأنواع المهاجرة للفترة 2026 – 2028، تقديرًا لإسهامه في معالجة الصيد والأخذ والاتجار غير النظامي بالطيور المهاجرة في جنوب غرب آسيا، وهو تقدير يضع التجربة السعودية في سياق دولي يتجاوز تنظيم موسم محلي إلى المشاركة في حماية مسار بيئي عابر للحدود.
فالمملكة لا تحمي الطيور التي تمر بأرضها فقط؛ بل تسهم في حماية طريقها.
وهنا يصبح تنظيم الصيد جزءًا من مسؤولية أوسع: مسؤولية دولة تمتلك بيئة متنوعة، وتدرك أن حماية التنوع الأحيائي ليست ملفًا داخليًا فحسب، بل قضية تتطلب تعاونًا إقليميًا ودوليًا.
رؤية 2030.. البيئة ليست هامشًا في مشروع الدولة
حين جاءت رؤية السعودية 2030، لم تنظر إلى البيئة باعتبارها ملفًا منفصلًا عن التنمية، بل أدخلت حماية الموارد الطبيعية والحياة الفطرية ضمن مشروع التحول الوطني.
وتكشف التقارير الرسمية للرؤية عن مسار مؤسسي واضح بدأ بتأسيس مجلس المحميات الملكية عام 2018، ثم المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية عام 2019، واعتماد نظام البيئة عام 2020، وصولًا إلى تطوير منظومة حماية الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي وإعادة التوازن للنظم البيئية.
وهذا المسار يفسر لماذا لم يعد الصيد المستدام قضية موسم ينتهي بانتهاء يناير؛ بل أصبح جزءًا من رؤية أشمل تتعامل مع الطبيعة باعتبارها ثروة وطنية، ومع حمايتها باعتبارها استثمارًا في المستقبل.
الاستدامة في السعودية ليست سياسةً لحماية الطبيعة من التنمية؛ بل سياسة تجعل حماية الطبيعة جزءًا من التنمية.
ومن هنا تتقاطع الحياة الفطرية مع السياحة البيئية، ومع جودة الحياة، ومع الاقتصاد الجديد الذي يبحث عن فرص تنمو من الموارد دون استنزافها. فحين تُحمى البيئة، لا تُحفظ الأنواع وحدها؛ بل تُصان أيضًا المساحات التي يمكن أن تصبح وجهات للسياحة البيئية، ومجالات للبحث العلمي، وفرصًا للقطاع الخاص والمجتمعات المحلية.
اقتصاد الهواية.. حين يصبح التراث قطاعًا
الصيد المستدام لا ينعزل عن الاقتصاد، فالهواية المنظمة تخلق حركة حولها: تصاريح وخدمات وتجهيزات، وفعاليات ومزادات، وسياحة مرتبطة بالبر والصقارة، ومجالات للتدريب والبحث، وفرصًا تتوزع بين قطاعات متعددة.
وهذا ما يظهر بوضوح في منظومة نادي الصقور السعودي، الذي يقدم المزادات بوصفها وجهة ثقافية واقتصادية، ويعمل على تطوير مستوى مزادات الصقور وتنظيم عمليات البيع والشراء، بالتوازي مع المحافظة على السلالات المهددة والتوعية بحمايتها.
وهنا تبرز إحدى أهم ملامح التحول السعودي: الاقتصاد الجديد لا ينظر إلى الطبيعة باعتبارها موردًا يُستهلك، وإنما باعتبارها رأس مالٍ يجب أن ينمو.
وكلما ازداد وعي المجتمع بقيمة هذا المورد، أصبحت الاستدامة نفسها جزءًا من القيمة الاقتصادية؛ لأن الهواية التي تحفظ البيئة تستطيع أن تستمر، والقطاع الذي يحترم المورد يستطيع أن يتوسع.
الدولة والصياد.. شراكة من أجل المستقبل
لكن أي منظومة تنظيمية، مهما بلغت دقتها، تظل بحاجة إلى الإنسان الذي يطبقها.
ولهذا يكتسب الصياد النظامي مكانة مختلفة في التجربة السعودية؛ فهو ليس طرفًا يقف في مواجهة النظام، بل شريك في نجاحه. وقد أكد المركز الوطني أن ارتفاع مستوى الوعي والالتزام لدى الصيادين يسهم في تحقيق التوازن بين ممارسة الصيد وتجدد الموارد الطبيعية واستدامة النظم البيئية.
وهذه نقطة تستحق التوقف؛ لأن المحافظة على الحياة الفطرية لا تبدأ عند العقوبة، بل تبدأ عند القناعة.
فالمحافظة على الحياة الفطرية لا تبدأ عند بند العقوبة؛ بل تبدأ عند القناعة بأن ما نحبه اليوم يجب أن يبقى لأبنائنا غدًا.
ومن هنا تتكامل مسؤولية الدولة مع وعي المجتمع: الدولة تضع القواعد، والمؤسسات تنتج المعرفة وتراقب، والجهات الأمنية تحمي الالتزام، والمراكز والأندية تنظم الهوايات، والقطاع الخاص يستطيع أن يجد فرصًا جديدة، فيما يبقى الصياد نفسه جزءًا من المعادلة.
حين يصبح التراث أكثر قدرة على البقاء
في التجربة السعودية، لا يبدو الصيد المستدام قيدًا على الماضي، بل جسرًا يصل الماضي بالمستقبل. فالذي تغير ليس قيمة الهواية، وإنما طريقة إدارتها. لقد انتقلت من خبرة متوارثة تعتمد على عين الصياد إلى منظومة تستفيد من العلم، ومن معرفة الموسم إلى بيانات متراكمة، ومن ممارسة فردية إلى إطار مؤسسي، ومن حدود المكان إلى تعاون إقليمي ودولي.
وهذه ليست نقلة بسيطة؛ إنها تعكس تحولًا أوسع في علاقة الدولة بمواردها الطبيعية. فالمملكة، وهي تمضي في تنفيذ رؤية 2030، لا تكتفي ببناء المدن والقطاعات الجديدة، بل تعيد تعريف قيمة ما ورثته أيضًا؛ لأن الدولة التي تعرف كيف تحفظ موروثها، وتدير مواردها، وتحوّل المعرفة المتراكمة إلى مؤسسات، هي دولة تعرف أن المستقبل لا يُبنى بقطع الصلة بالماضي، وإنما بإعادة صياغته بما يلائم متطلبات الغد.
ولهذا فإن موسم الصيد المستدام 2026-2027 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد موعد سنوي يفتح أبواب البر للصيادين ويغلقها في نهاية يناير؛ بل باعتباره شاهدًا على نضج تجربة وطنية أخذت من الماضي شغف الهواية، ومن الحاضر قوة المؤسسة، ومن المستقبل شرط الاستدامة.
وفي المملكة العربية السعودية، لا يأتي موسم الصيد المستدام بوصفه موعدًا لممارسة هواية فحسب، بل بوصفه اختبارًا لقدرة الإنسان على أن يأخذ من الطبيعة دون أن يستنزفها، وأن يحافظ على موروثه دون أن يستهلكه، وأن يفتح للاقتصاد أبوابًا جديدة دون أن يدفع البيئة ثمنًا لذلك.
فالصيد المستدام في المملكة ليس نهايةً لموسم؛ إنه بدايةٌ لعهدٍ جديد بين الإنسان والأرض.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي