د. محمد بن إبراهيم الملحم
نشر الدكتور عبدالله البراك في منصة إكس صورة لإجابة أحد طلابه الجامعيين حيث كانت كتابته رديئة وغير مقروءة مستغرباً وصول الطالب إلى الجامعة بهذا المستوى، داعياً إلى تدارك الأمر في التعليم العام. وقد وجدت الصورة تداولاً وتعليقات كثيرة حول ضعف خطوط الطلاب ومستوى مخرجات التعليم.
والواقع أن المشكلة أكبر من أن يكون لدينا طالب جامعي خطه غير جميل أو حتى غير مقروء بسهولة (مع أنها معضلة فعلاً)، فهذا الطالب قد يصبح طبيباً أو مهندساً أو اقتصادياً أو قانونياً، وهذه مهن أصبح معظم العمل فيها رقمياً ولا يحتاج صاحبها إلى الكتابة بخط اليد إلا في نطاق محدود.. لكنما المشكلة الحقيقية لو كان هذا الطالب سيتخرج معلماً! فالمعلم هو الذي يكتب لأبنائنا الطلاب على السبورة، ويعلق على إجاباتهم في دفاترهم بخطه وكتابته، بل هو من يعلم الصغار منهم كيف يرسمون الحروف لأول مرة في حياتهم وكيف تتصل ببعضها وكيف تتكون الكلمة لتبدو واضحة المعالم مقروءة المعنى، ولهذا فإن مقروئية الخط حد أدنى، بل إن كان معلما للمرحلة الابتدائية فينبغي أن يتجاوز المقروئية إلى أن يكون خطه جيداً فالطالب في سنواته الأولى يتعلم بالمحاكاة في المقام الأول، وطرحي هذا ليس من فراغ بل طالما زرت معلمين وشاهدت خطوطهم لأجد عددا منها لا يشرف وحيث إن هذا له أكثر من عقدين حالياً فلا بد أن الأمر استفحل مؤخراً.
ومن هنا فإن ضعف خطوط بعض طلاب الجامعات (أو التعليم العام)، هو في المقام مشكلة إعداد المعلم لا مشكلة المعلم نفسه، فنحن نعلم أن الطالب الجامعي قد يكون ضحية تعليم متواضع أدى به الى هذا المستوى المتدني، فهي سلسلة مستديرة لا يمكنك تحديد أولها، ولذلك وبدلاً من تبادل الاتهامات فيجب أن يبدأ الحل من تحسين خطوط المعلمين وخاصة معلمي المرحلة الابتدائية.
وجدير بالذكر أن هذه الملاحظة ليست طارئة، فقد أجرى الدكتور عبدالله بن إسحاق عطار على طلاب كلية المعلمين بمكة المكرمة دراسة عام 2006 تناول فيها «أثر تدريس مقرر الخط العربي (105 عرب) في تنمية مهارات الأداء الخطي لدى طلاب كلية المعلمين بمدينة مكة المكرمة»، وجهة الاستشهاد منها أن الدراسة تطلبت قياسات أولية قبل عمل تدريب للداخلين في الدراسة وكشفت هذه القياسات عن تدن في امتلاك الطلاب مهارات خطية مهمة، وبعد التدريب المنظم تحسن أداؤهم، وهذه الدراسة لم تستهدف تحويل معلم المستقبل إلى خطاط، بل أن يمتلك المهارات الأساسية مثل رسم الحرف بصورة سليمة، والكتابة على السطر، والاتصال الصحيح بين الحروف، وتمييز أشكالها، وهذه هي ببساطة «المقروئية» أي إمكانية قراءة ما تمت كتابته دون عناء أو تخمين.
أما الدراسة السعودية الأحدث والأكثر لفتاً للنظر فهي دراسة الدوسري والمطرفي المنشورة عام 2023، والتي شملت 298 معلماً في المرحلة الابتدائية بمدينة مكة المكرمة، لتسألهم عن أسباب ضعف التلاميذ في مهارات الأداء الخطي، وجاءت عوامل تتعلق بالمنهج وطرائق تدريسه وتقويمه في المرتبة الأولى، ثم عوامل تتعلق بالطالب، لكن الملفت أن كفايات المعلم نفسه جاءت أيضاً ثالثة الأسباب المهمة بمتوسط 3.74 من 5 . هذه النتيجة تستحق التوقف عندها. فنحن أمام قرابة ثلاثمائة معلم يرون أن كفايات المعلم الشخصية والمعرفية والتنفيذية والتقويمية جزء من المشكلة، وقد يقال إن كل ذلك يتعلق بمهارة ميكانيكية محدودة الأهمية. لكن نتائج البحوث عالميا لا تؤيد إهمالها، ففي التحليل التجميعي الذي أجراه Santangelo وGraham عام 2016، ظهرت آثار إيجابية لتعليم الكتابة اليدوية في المقروئية، وبلغ متوسط حجم الأثر نحو 0.59، كما جاء تحليل تجميعي آخر عام 2022 جمع نتائج 31 دراسة شملت 2030 طالباً ليؤكد أن التدريب المنظم على الكتابة اليدوية يحدث تحسناً قابلاً للقياس، ولا تقف أهمية الكتابة اليدوية عند شكل الحروف.
ففي دراسة كبيرة شملت 4950 طالباً في المرحلة الابتدائية، فسرت طلاقة الكتابة اليدوية وحدها 7.4 في المائة إضافية من التباين في جودة الكتابة التعبيرية لتؤكد أن تمكن الطالب من مهارات الكتابة الأساسية ليس أمراً منفصلاً تماماً عن تعلمه العام.
ولقد حاولت البحث عن دراسات سعودية حديثة تقيس خطوط المعلمين الذين يعملون بالفعل في المدارس، فلم أعثر على دراسة وطنية واسعة من هذا النوع، وهذه في حد ذاتها فجوة تستحق الدراسة، وهي من واجبات إدارات البحوث في وزارة التعليم وحاليا أجد أنها يمكن أن تكون من أدوار هيئة تقويم التعليم، وقد أولت وزارة التعليم مشكورة الخط العربي اهتماماً إذ قررت إعادة مقرر الخط والإملاء إلى المرحلة الابتدائية عام 2018، كما أقيمت برامج ومبادرات تدريبية لمعلمي الصفوف الأولية، لكن الأمر يستحق أكثر من ذلك حيث يجب أن يدرج أمر جودة مقروئية ما يكتبه المعلم في معايير اختياره للمهنة، وهو ما لم أجده في شروط المفاضلة الحالية للوظائف التعليمية أو في اختبارات الرخصة المهنية المنشورة فما نجده يركز على المعدل، وأقدمية التخرج، ودرجات اختبار الرخصة المهنية العام والتخصصي، إضافة إلى المقابلة واستكمال إجراءات التعيين لا أكثر.
ولهذا أرى أن القضية تستحق التفكير في معيار وطني للكتابة اليدوية الوظيفية ضمن شروط اختيار المعلم، خصوصاً معلمي الصفوف الأولية واللغة العربية. ولا أقصد بذلك اختباراً في جمال الخط أو مسابقة بين الخطاطين، وإنما حداً أدنى واضحاً: أن يكتب المرشح فقرة قصيرة بخط يمكن قراءته بسهولة، وأن يقدم نموذجاً للكتابة على السبورة، وأن تقاس قدرته على تشكيل الحروف وتمييزها، وربطها بصورة صحيحة، وضبط المسافات بينها، والكتابة بصورة واضحة ومنظمة، ننتظر ذلك بشغف..