فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود
صباح مكة المكرمة... صباح الخير والأمن والسلام
تركيا، باكستان، والمملكة العربية السعودية؛ ثلاث دول لها مكانتها في عالمنا الإسلامي، اجتمعت كلمتها كلمة السلام في (اتفاقية مكة للدفاع المشترك).
مكة المكرمة، مهبط الوحي وقبلة المسلمين، ظلت على مرّ التاريخ موطنًا للدعوة إلى السلام وجمع الكلمة. وقد استضافت في العهد السعودي العديد من المؤتمرات والقمم واللقاءات التي أسهمت في لمّ الشمل وتقريب المواقف. وليس هناك أسمى من مكانة مكة المكرمة لتحمل الاتفاقيات اسمها ومعناها؛ فهي قبلة المسلمين وموئل أفئدتهم إلى يوم الدين.
وقد شرّفتني مكة المكرمة، كمواطن، بأن أشارك وأعيش عددًا من هذه الأحداث. وكان من أبرزها عام 1993م، عندما جرى في رحابها برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- إقرار اتفاق السلام الأفغاني، في إطار الجهود الرامية إلى تحقيق المصالحة ووقف الحرب الأهلية بين الفصائل الأفغانية بعد خروج الاتحاد السوفيتي. كما تعاقب حضوري فيها لعدد من المؤتمرات الإسلامية في الأعوام 2002م و2005م و2008م.
وهذا ما ساقني إلى الكتابة عن هذه الخطوة المباركة التي اتخذتها ثلاث دول إسلامية لها مكانتها في العالم الإسلامي، وكرّم المولى بها رسالة قيادتنا باستضافة سمو ولي العهد -أعانه الله- لأشقائه الرؤساء في مهبط الوحي لترسيخ رسالة الإسلام والسلام السامية، وهذا هو ديدنها منذ الدولة السعودية الأولى.
وهنا أستعيد من ذاكرتي موقفًا تشرفت بحضوره، عندما جمع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- الإخوة الفلسطينيين، وقال لهم، وفق ما بقي حاضرًا في ذاكرتي:
«إخواني، أنتم أمام بيت الله الحرام، وتحت نظر المولى - عز وجل - نجتمع لتوحيد الكلمة.. وإذا أشكل عليكم شيء، فانظروا من خلال هذه النافذة كيف جمع الله إنسان أمتنا؛ هناك ثلاثمائة وستون زاوية، لنجد من خلالها الحلول».
كلمات بقيت في الذاكرة؛ لأنها ترمز إلى شيء من معنى مكة ومكانتها، وهو أن تكون مكانًا تتلاقى فيه القلوب قبل أن تتلاقى المواقف.
هذه هي مكة المكرمة؛ بعظمة تاريخها وقدسيتها شرّفها الله ببيته الحرام، وأنزل خاتمة رسالته على رسوله الأمين محمد -عليه أفضل الصلاة والتسليم-، وجعلها قبلة للمسلمين ومنطلقًا لرسالة عالمية؛ فصلح الحديبية وخطبة الوداع في المشاعر المقدسة شاهدان من شواهد التاريخ على قيم الحوار وجمع الكلمة والسلام واحترام الإنسان.
وقد حملت دولتنا دولة الإسلام والسلام هذه الرسالة منذ الدولة السعودية الأولى؛ فقد كتب الإمام سعود بن عبدالعزيز منشورًا في مكة المكرمة سنة 1225هـ (1810م)، ردًا على رسالة وصلته من سليمان باشا، والي الشام العثماني، تناول فيها عددًا من المبادئ والإجراءات، من بينها: إبطال الضرائب والمكوس - وهي الجبايات غير الشرعية التي كانت تُفرض على أهالي مكة والحجاج - والحرص على تأمين الحجاج، وبث الأمن والاستقرار في المشاعر المقدسة، وإزالة المظاهر المخالفة للتوحيد، وتوزيع الصدقات على المحتاجين.
وتواصل هذا الدور، ففي عام 1344هـ (1926م)، دعا الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- إلى المؤتمر الإسلامي العام في مكة المكرمة لمناقشة شؤون المسلمين والحج والحرمين الشريفين.
ثم توالت المؤتمرات والقمم الإسلامية؛ فعُقد المؤتمر الإسلامي العام عام 1962م، ومن أبرز نتائجه: تأسيس رابطة العالم الإسلامي، ثم المؤتمر الإسلامي العام الثالث عام 1987م، والرابع عام 2002م.
وفي عام 2005م، استضافت مكة المكرمة القمة الإسلامية الاستثنائية الثالثة، التي خرجت بـ (برنامج العمل العشري) لمواجهة التحديات التي يعيشها العالم الإسلامي.
وفي عام 2008م، عُقد (المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار) في مكة المكرمة، وصدر عنه (نداء مكة المكرمة)، لتنطلق من جوار البيت الحرام دعوة إلى الحوار والتعايش والتفاهم بين البشر.
وفي عام 2019م، احتضنت مكة القمة الإسلامية الرابعة عشرة، كما صدرت (وثيقة مكة المكرمة) التي اعتمدها أكثر من 1200 مفتٍ ومرجع وعالم مسلم من 139 دولة يمثلون 27 مكونًا إسلاميًا من مختلف المذاهب والطوائف.
وفي عام 2023م، استضافت مكة (المؤتمر الدولي للتواصل) مع إدارات الشؤون الدينية والإفتاء والمشيخات، مواصلةً بذلك دورها في تعزيز التواصل والوسطية والاعتدال.
ثم جاء يوم 7/ 8/ 2026م ليضيف محطة جديدة إلى هذا التاريخ، بتوقيع المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية (اتفاقية مكة للدفاع المشترك).
والاتفاقية، التي وُقعت في الديوان الملكي بقصر الصفا، تهدف إلى تعزيز الردع المشترك، وتنصّ على أن أي هجوم مسلح على أي دولة من الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، إلى جانب تطوير أوجه التعاون الدفاعي بينها.
ولعل دلالة المكان هنا لا تقل أهمية عن دلالة الاتفاق نفسه.
فإن حمل الاتفاقية اسم (مكة) يعني أن وراء الاسم تاريخًا وذاكرة ورسالة؛ مدينة جمعت المسلمين على قبلة واحدة، وظلت قادرة على أن تجمعهم حول كلمة واحدة عندما تصدق النوايا.
وهنا أعود إلى ما بدأت به:
مكة المكرمة… مكانٌ ومكانةٌ
مكان اختاره الله لبيته الحرام، ومكانة استقرت في قلوب المسلمين تهفو إليها من مشارق الأرض ومغاربها. ومن هذه المكانة ستظل تنطلق رسالة تتجاوز الحدود والجغرافيا والمصالح الآنية؛ رسالة تدعو إلى الحوار، وتوحيد الكلمة، وصون الإنسان، وإطفاء نيران الحروب.
أسأل المولى -عز وجل- أن يوفق قياداتنا الإسلامية، وأن يجمع كلمتهم ويوحد صفوفهم ويعينهم على تحقيق الأمن والأمان والاستقرار، وتكريم بني الإنسان، وإطفاء هذه النار الكبرى المشتعلة في عالمنا اليوم.. وأن تبقى مكة المكرمة، بمكانها ومكانتها، منارةً للسلام، وموطنًا لجمع الكلمة برسالةٍ تصل إلى قلوب العالمين.