صبحي شبانة
حملت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى القاهرة دلالات تتجاوز البروتوكول المعتاد للقاءات الثنائية، فهي تأتي في لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها توترات مضيق هرمز مع تصاعد المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب، لتؤكد أن العلاقة المصرية السعودية ليست مجرد رابطة تاريخية، وإنما شراكة استراتيجية تتجدد أدواتها كلما اتسعت التحديات المحيطة بالمنطقة العربية.
وقلما نجد في الإقليم علاقة بين دولتين بهذا القدر من الترابط والتكامل، فمصر والسعودية لا تجمعهما فقط صلات تاريخية وموقع جغرافي متقارب عبر البحر الأحمر، وإنما يجمعهما ثقل عربي وإسلامي يجعل التنسيق بينهما عنصرًا أساسيًا في معادلة الاستقرار الإقليمي، فمصر بما تمتلكه من ثقل بشري وفكري وعسكري، والسعودية بما تتمتع به من وزن اقتصادي ومكانة دينية وسياسية، تمثلان معًا ركيزتين أساسيتين في العالم العربي، وهو ما يجعل التواصل المستمر بين قيادتي البلدين تعبيرًا عن شراكة تتجاوز حدود الملفات الثنائية إلى القضايا التي تمس أمن المنطقة ومصالح شعوبها.
واكتسبت زيارة ولي العهد إلى القاهرة أهمية إضافية من توقيتها، في ظل تصاعد المخاطر التي تهدد حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بالتزامن مع توترات موازية في منطقة الخليج ومضيق هرمز. وهذا التزامن يضع البلدين أمام معادلة واحدة تتعلق بحماية الممرات البحرية التي تمثل شرايين رئيسية للتجارة العالمية وأمن الطاقة، فمصر ترتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر بحكم موقعها عند مدخله الشمالي واحتضانها قناة السويس، التي تمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بينما ترتبط السعودية بأمن هذه الممرات بحكم موقعها على البحر الأحمر والخليج، وحجم تجارتها وصادراتها النفطية، ومن ثم فإن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الممرات لا يبقى مجرد أزمة أمنية، وإنما يتحول إلى تحد اقتصادي واستراتيجي يطال مصالح البلدين والمنطقة والعالم.
ومن هنا، فإن التنسيق المصري السعودي في هذه المرحلة لا ينبغي النظر إليه باعتباره استجابة مؤقتة لتطور أمني محدد، وإنما باعتباره جزءًا من رؤية أوسع لحماية المصالح المشتركة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، فالممرات البحرية لا تعترف بالحدود السياسية، وأي تهديد في جنوب البحر الأحمر يمكن أن يمتد أثره إلى قناة السويس، كما أن أي اضطراب في الخليج ومضيق هرمز يمكن أن ينعكس على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يجعل التعاون بين القاهرة والرياض ضرورة تفرضها طبيعة الجغرافيا وتشابك المصالح، وليس مجرد خيار سياسي مرتبط بظرف عابر.
وتملك مصر في هذا السياق مقومات تجعلها شريكًا رئيسيًا في أي ترتيبات إقليمية تتصل بأمن البحر الأحمر، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما أيضًا لما تمتلكه من خبرة سياسية ودبلوماسية وعلاقات واسعة مع مختلف الأطراف العربية والدولية. ولذلك فإن الدور المصري لا يرتبط بالضرورة بالانخراط العسكري المباشر، بقدر ما يمكن أن يقوم على التحرك السياسي والدبلوماسي، واحتواء التصعيد، ودعم التفاهمات التي تحول دون اتساع دائرة الصراع، وهي أدوات تمنح القاهرة قدرة مهمة على المساهمة في بناء مقاربة إقليمية أكثر توازنًا لأمن البحر الأحمر.
وفي المقابل، تمثل السعودية عنصرًا رئيسيًا في أي مقاربة لأمن المنطقة، بحكم موقعها الجغرافي الممتد على البحر الأحمر والخليج، ووزنها السياسي والاقتصادي، ودورها المتنامي في صياغة المواقف العربية تجاه القضايا الإقليمية والدولية. ومن هنا فإن التكامل بين قدرات البلدين يفتح المجال أمام شراكة أكثر اتساعًا، تجمع بين الثقل السياسي والدبلوماسي المصري، والوزن الاقتصادي والاستراتيجي السعودي، بما يعزز قدرة البلدين على التعامل مع التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
ولا يتوقف هذا التكامل عند الجانب الأمني والسياسي، وإنما يمتد إلى الاقتصاد، الذي أصبح أحد أهم محاور العلاقات المصرية السعودية، في ظل تنامي الاستثمارات والتبادل التجاري والتعاون في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والعقارات والسياحة وغيرها من المجالات. وتزداد أهمية هذا التعاون في ظل الاضطرابات التي تشهدها طرق التجارة العالمية، لأن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة يفرض على الاقتصادات العربية تعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية، وهو ما يجعل توسيع التعاون الاقتصادي بين القاهرة والرياض جزءًا من تعزيز القدرة على حماية المصالح المشتركة.
كما أن العلاقة بين البلدين باتت تستند إلى أطر مؤسسية تضمن استمرارية التعاون وتوسع مجالاته، وفي مقدمتها المجلس التنسيقي السعودي- المصري، الذي يوفر مظلة للتنسيق بين مختلف الجهات المعنية في البلدين، ويتيح تحويل التفاهمات السياسية إلى برامج ومشروعات ومسارات عمل قابلة للتنفيذ. وهذه المؤسسية تمنح العلاقة قدرة أكبر على الاستمرار والتطور، وتجعل اللقاءات رفيعة المستوى محطات لتطوير مسارات قائمة بالفعل، وليس مجرد مناسبات بروتوكولية.
ويبقى البعد الثقافي والشعبي أحد أهم عناصر القوة في هذه العلاقة، فالتقارب بين الشعبين المصري والسعودي يتجاوز المصالح السياسية والاقتصادية إلى روابط اجتماعية وإنسانية وثقافية عميقة، وهو ما يمنح الشراكة بين البلدين قاعدة شعبية واسعة قادرة على دعم تطورها في مختلف المجالات، ويجعل التعاون الثقافي والإعلامي والتعليمي عنصرًا مهمًا في بناء علاقة أكثر عمقًا واستدامة بين المجتمعين.
وفي ضوء هذه المعطيات، شكلت زيارة ولي العهد إلى القاهرة جزءًا من مسار أوسع لإعادة ترتيب الأولويات العربية في مرحلة تتداخل فيها المخاطر الأمنية مع التحديات الاقتصادية، من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح الشراكة المصرية السعودية إحدى الركائز القادرة على دعم الاستقرار، ليس من خلال الدخول في صراعات جديدة، وإنما عبر تعزيز التنسيق، وتبادل الرؤى، ودعم الحلول السياسية، وحماية المصالح الحيوية للبلدين والمنطقة.
والسؤال الذي تفرضه المرحلة ليس ما إذا كانت الرياض والقاهرة بحاجة إلى بعضهما، فهذا أمر تؤكده الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح، وإنما كيف يمكن تحويل هذا التكامل إلى قدرة عربية أكثر فاعلية في مواجهة التحولات التي تعيد تشكيل الإقليم. فالممرات البحرية التي تربط الخليج بالبحر الأحمر وقناة السويس أصبحت جزءًا من معادلة أمنية واقتصادية واحدة، وأي اضطراب فيها ستكون له تداعيات تتجاوز حدود الدول المطلة عليها.
ومن هرمز إلى باب المندب، تبدو الرسالة الأهم أن أمن المنطقة لا يمكن التعامل معه بمنطق الجزر المنفصلة، وأن حماية الممرات البحرية وتأمين حركة التجارة والطاقة تحتاج إلى تنسيق عربي أكثر انتظامًا وفاعلية، وفي قلب هذا التنسيق تقف المملكة ومصر بما تمتلكانه من ثقل سياسي واقتصادي وجغرافي، وما يجمعهما من مصالح استراتيجية عميقة.
ولهذا فإن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ليست مجرد محطة جديدة في العلاقات الثنائية، وإنما تعبير عن إدراك مشترك بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شراكة أكثر فاعلية، تجمع بين السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والأمن، وتستند إلى رؤية تتعامل مع أمن البحر الأحمر والخليج باعتباره جزءًا من أمن عربي واحد.
وبين هرمز وباب المندب، تتأكد الحاجة إلى هذه الشراكة، لا باعتبارها استجابة لأزمة عابرة، وإنما باعتبارها استثمارًا في استقرار المنطقة وقدرتها على حماية مصالحها ومواجهة تحديات المستقبل.