عبدالرحمن ندا
قُلْتُ
سؤال.
رغم السيارات...
والطائرات...
والفنادق...
والطاولات...
واللقاءات...
ورغم أن العالم صار بين يديك...
ما تريد.
رغم السرعة...
لا وقت.
رغم الراحة...
لا نوم.
رغم المال...
لا راحة.
رغم الدواء...
لا شفاء.
رغم كثرة الأصدقاء...
لا أنيس.
رغم كثرة الكلام...
لا أحد يسمع.
رغم كثرة الرسائل...
لا أحد يصل.
رغم أن الوجوه حولنا...
لا أحد يطمئن.
رغم أن البيوت أكبر...
الدفء أقل.
رغم أن الموائد أكثر...
اللقمة بلا طعم.
رغم أن العالم صار قرية...
والجار أصبح غريبًا.
رغم أن الهاتف قرّب البعيد...
وأبعد القريب.
رغم أن الصوت يصل في ثانية...
والقلب ينتظر طويلًا.
رغم أن كل شيء متاح...
هناك أشياء لا تُشترى.
ورغم...
ورغم...
ورغم...
لا...
لا...
لا...
طيب...
ليه؟
ليه إحنا بنحنّ إلى لحظات من الأمس؟
ليه نشتاق إلى لقمة من رغيف...
بطعم الأمس؟
ليه نشتاق إلى معاملة...
وتعامل...
بروح الأمس؟
إلى راحة بال...
بروح الأمس؟
إلى لقاء...وصفاء...
بمواعيد الأمس؟
إلى حب...ونقاء...
بحال الأمس؟
إلى احترام الكبير...
مثل الأمس؟
إلى كلمة...إذا خرجت من الفم...
صارت عهدًا.
كلمة تُحترم...
وكأنها سيف.
وسر...إذا دخل بئرًا...
لا يخرج منه.
ليه؟
ليه كل الحلو...
كان أمس؟
هل كان الأمس أجمل فعلًا؟
أم أننا لم نعرف قيمته...
إلا بعدما أصبح ماضيًا؟
هل أضعناه؟
أم ضاع منا؟
هل لم نحمده...
فزال؟
هل لم نحفظه...
فغاب؟
هل اعتقدنا أن الأشياء الجميلة
ستبقى لأنها كانت معنا كل يوم؟
فضحكنا...
ومشينا...
وانشغلنا...
ولم ننتبه...
إلى أن بعض النعم
لا تعلن موعد رحيلها.
تمضي بهدوء...
ثم نبحث عنها بعد ذلك
في الذاكرة.
ليه كل الحلو...
صار أمنية؟
والأمنية...
رجاء؟
والرجاء...
رغبة؟
والرغبة...
ذكرى؟
ليه بقينا نتمنى
ما كنا نملكه دون أن نعرف أنه نعمة؟
أين ذهب ذلك الزمن
الذي كانت فيه البساطة تكفي؟
جلسة على باب البيت...
كوب شاي...
رغيف ساخن...
صوت أم...
ضحكة أب...
زيارة بلا موعد...
صديق يأتي دون أن يحتاج إلى دعوة...
جار يعرف جاره...
والناس تعرف بعضها...
والكلمة لها وزن...
والسلام له معنى...
والاعتذار له قيمة...
والخلاف لا يعني القطيعة...
والاختلاف لا يعني العداوة...
والقليل...
كان كثيرًا.
واليوم؟
اليوم العبء الكبير.
عبء الخوف...
والقلق...
والارتداع...
والشك...
والضعف...
والمرض...
والظلم...
والسرقة...
واليأس...
والشحوب...
والشجو...
والشكوى...
عبء أن تفتح عينيك صباحًا
فتبدأ في الحساب:
ماذا سيحدث اليوم؟
ماذا سيحدث غدًا؟
من الذي سيخذلني؟
من الذي سيؤذيني؟
من الذي سيأخذ مني؟
من الذي سأحتاج إليه؟
ومن الذي سأضطر أن أبتعد عنه؟
أصبحنا نحسب الكلام
قبل أن نقوله.
ونحسب الحب
قبل أن نعطيه.
ونحسب الصداقة
قبل أن نثق.
ونحسب العطاء
قبل أن نعطي.
حتى الطيبة...
صرنا نخاف أن نمارسها.
نخاف أن تُفهم ضعفًا.
نخاف أن يستغلها أحد.
نخاف أن نعطي...
فلا نجد من يعطينا.
نخاف أن نحب...
فنُكافأ بالخذلان.
نخاف أن نثق...
فنُعاقب على ثقتنا.
نخاف أن نقول الحقيقة...
فنخسر من لا يريد سماعها.
نخاف أن نكون أنفسنا...
فنتعلم كيف نمثل.
وهكذا...
صار الإنسان يحمل فوق ظهره
ما يكفيه عمرًا.
يعمل...
ويجري...
ويجمع...
ويخطط...
ويقلق...
ثم يصل إلى ما أراد...
فيسأل:
طيب... فين الراحة؟
فين الطمأنينة؟
فين ذلك الشعور القديم
الذي كان يجعل الإنسان
يعود إلى بيته...
فيجد نفسه في أمان؟
لماذا أصبح البيت أحيانًا
مكانًا ننام فيه...
لا مكانًا نرتاح فيه؟
لماذا أصبح اللقاء موعدًا في الأجندة...
بدل أن يكون شوقًا في القلب؟
لماذا أصبح السؤال:
«إنت فين؟»
ولا يأتي معه دائمًا:
«إنت عامل إيه؟»
لماذا أصبحنا نعرف أخبار الناس
من شاشاتهم...
ولا نعرف ما في قلوبهم؟
لماذا أصبح كل شيء أسرع...
إلا الطمأنينة؟
كل شيء أكثر...
إلا الرضا.
كل شيء أسهل...
إلا الحياة.
كل شيء قريب...
إلا الإنسان.
ورغم...
ورغم...
ورغم...
لا...
لا...
لا...
فقلت:
ربما لم تكن المشكلة
أن الأمس كان كاملًا...
فالأمس كان فيه تعبه أيضًا.
وكان فيه فقره.
وكان فيه مرضه.
وكان فيه ما نشتكي منه.
لكن كان فيه شيء...
افتقدناه.
شيء لا تصنعه السيارات.
ولا تحمله الطائرات.
ولا تشتريه الموائد.
ولا تعطيه البنوك.
ولا تصنعه التكنولوجيا.
كان هناك...
روح.
روح في التعامل.
روح في الكلمة.
روح في الجيرة.
روح في الحب.
روح في اللقاء.
روح في العطاء.
روح في أن تقول:
«أنا معك.»
فتكون فعلًا...
معه.
ولهذا...
ربما نحن لا نشتاق إلى الأمس كله.
نحن نشتاق إلى روح الأمس.
إلى الإنسان الذي كان أقل امتلاكًا...
وأكثر امتنانًا.
أقل سرعة...
وأكثر حضورًا.
أقل كلامًا...
وأكثر صدقًا.
أقل أشياء...
وأكثر رضا.
فهل ضاع الأمس؟
أم أننا نحن الذين أضعناه؟
هل لم نحمد...
فزال؟
هل لم نحفظ...
فغاب؟
هل انشغلنا بما نريد...
حتى لم نرَ ما كان بين أيدينا؟
لا أعرف.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
ليه كل الحلو
صار أمنية؟
وليه كل ما كان عاديًا بالأمس...
أصبح اليوم حلمًا؟
وليه كلما تقدمنا خطوة...
بحثنا خلفنا عن شيء تركناه؟
ربما...
ضاعت من أيامنا أشياء كثيرة.
لكن أخطر ما ضاع...
ليس رغيف الأمس...
ولا جلسة الأمس...
ولا الجريدة...
ولا الكشك...
ولا مواعيد اللقاء...
ولا حتى الناس الذين رحلوا.
أخطر ما ضاع...
هو السؤال.
السؤال الذي يجعلنا نتوقف...
ونقول:
إحنا رايحين فين؟
وليه...
كلما امتلكنا أكثر...
ارتاحنا أقل؟
وليه...
كلما اقترب العالم من أيدينا...
ابتعدنا عن بعض؟
وليه...
كل الحلو...
بقى في الأمس؟
قُلْتُ: ضاعت من أيامنا أشياء كثيرة...
لكنني أخشى أن يكون أخطرها:
أننا لم نعد نسأل لماذا.