محمد بن عبدالله آل شملان
على مائدة الغداء التي جمعتني بعائلتي في عطلة نهاية الأسبوع، كان المشهد يبدو اعتيادياً في تفاصيله، لكنه كان استثنائياً في جوهره. تلتف العائلة حول أطباق تفوح منها رائحة الدفء والبركة، نأكل مما أنعم الله به علينا من خيرات هذه الأرض الطيبة والمعطاءة. وفي وسط حديث عفوي وبسيط مع زوجتي، استوقفتني نكهة الطبق الرئيس، فقلت لها بامتنان: «الطعم اليوم مختلف تماماً، فيه نضارة ونقاء لم نعهدهما من قبل، على الرغم من بساطة المائدة ومكوناتها».
ابتسمت زوجتي وبدأت تسرد لي سر هذا الاختلاف وهي تشير إلى المكونات التي اختارتها بعناية فائقة لتعد منها وجبة اليوم. كانت المعكرونة والمخبوزات مصنوعة من دقيق القمح النقي لشركة «مطاحن» الوطنية، والأجبان والألبان الطازجة تحمل شعار الشركات الوطنية الرائدة مثل «المراعي» و»الصافي»، أما اللحوم والخضراوات فكانت قطافاً محلياً عضوياً من مزارعنا الوطنية في الخرج والأحساء. في تلك اللحظة، أدركت أننا لا نتناول مجرد طعام، بل نحن نعيش تجربة استثنائية تحضر فيها الطبيعة السعودية بكل نقائها وتفاصيلها على مائدتنا اليومية.
هذا التحول الإستراتيجي على موائدنا لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة رؤية السعودية 2030 الطموحة للأمن الغذائي والملامح الواضحة التي وضعت أسسها القيادة الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وعرّاب الرؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. واليوم، نجني جميعاً ما زرعته هذه الرؤية الحكيمة؛ فمن السهول الممتدة في نجد والقصيم، إلى المدرجات الزراعية الخضراء على قمم جبال عسير وجيزان، تجود الأرض بالخير الوفير، وتعطي بسخاء لمن أحسن استثمارها ورعايتها بأحدث التقنيات المستدامة. لقد حبا الله المملكة العربية السعودية بأراضٍ شاسعة وتنوع مناخي فريد، جعلها تنبت أجود أنواع القمح، والتمور الفاخرة، والزيتون في الجوف، والرمان والعنب في الطائف، بالإضافة إلى إنتاج العسل الفاخر، والحليب ومشتقاته، والأسماك والدواجن. وتعمل منظومة وزارة البيئة والمياه والزراعة، إلى جانب الشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص، على رفد السوق المحلي بآلاف المنتجات العضوية والصحية والمفيدة التي تضمن تحقيق الاكتفاء الذاتي والسيادة الغذائية للمملكة.
إن خيرات الوطن باتت اليوم جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الأسرية السعودية، ولا تكاد تخلو عربة تسوق في أي متجر من هذه المنتجات الوطنية، مدفوعة بإيمان مطلق بأنها الخيار الأفضل والأنقى المتواجد في منافذ البيع من أجل صحة العائلة والأبناء. بل إن الأمر تجاوز قناعات الكبار ليصبح ثقافة متجذرة لدى الصغار؛ فتجدهم في ممرات الأسواق يطلبون المنتجات السعودية بالاسم، سواء كانت عصائر طبيعية، أو ألبان بنكهات مختلفة، أو وجبات خفيفة محلية الصنع. هذه الثقافة الاستهلاكية الواعية رسختها الدولة من خلال برامج الدعم المستمرة والخطط التوسعية في مشاريع الزراعة الذكية والدفيئات الحديثة، إيماناً بأن صحة الفرد والمجتمع أولوية قصوى، وبأن المواطن هو الثروة الأهم التي تستثمر فيها المملكة لبناء مستقبلها.
وأنت تُعد طعامك وتجتمع مع عائلتك حول خيرات هذا الوطن العظيم، لا تنسَ أولاً أن تحمد الله سبحانه وتعالى على نعمه الظاهرة والباطنة، وأن تشكر قيادتنا الرشيدة على ما قدمته وتقدمه لتعزيز منظومة الأمن الغذائي والاهتمام بصحتنا وصحة أجيالنا القادمة.
إن المملكة تسير بتوفيق من الله، ثم بحكمة وتخطيط قيادتها، لتسجل اسمها عالمياً كنموذج رائد وملهم في الإنتاج الزراعي والحيواني المستدام في البيئات الجافة، ليصبح شعار «صُنع في السعودية» أو «إنتاج سعودي» عنواناً عالمياً للجودة الشاملة، والثقة المطلقة، والنقاء الذي لا يضاهى. إن طعامنا اليوم لم نتذوقه بحواسنا فقط، بل شعرنا بقيمته وجودته، ورأينا فيه حكاية أرض طاهرة، وجهد إنسان مخلص، وثمار غرس مبارك آمنت به قيادة عظيمة حتى وصل إلى موائدنا وافر الصلاحية والنماء.