عبدالعزيز صالح الصالح
مهما يكتب الإنسان عن السعادة لا ولن يستطيع أحد أن يجد طريقاً واضحاً لهذه السعادة، ولا أحد في هذا الكون الواسع يستطيع أن ينكر أن السعادة هدفه ومطلبه الأساسي.. وكل إنسان له وسيلته الخاصَّة التي يستخدمها في البحث عن السَّعادة حسب تصوراته ومعتقداته..
فهناك إنسان يعتقد أن السَّعادة تتحقق بوجود الموقع الوظيفي الجيد.. وهناك من يعتقد أن السَّعادة تتحقق بوجود المال.. وهناك من يعتقد أن السَّعادة العمل فقط وهناك من يرى أن السَّعادة من توفرت له أمور التقدم نحو الأهداف السامية روحياً وجسمياً واجتماعياً، ويستطيع أن يقاوم أسباب الشقاء ويهزمها، ومن عوامل السعادة الزوجة الصالحة، والمنزل الواسع، فالمرء العاقل يجد مبادئ السعادة الحقيقية في إتباع كتاب الله - كما قال الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (123-124) سورة طـه.
فهناك عوامل تقف عثرة أمام مبادئ السعادة أما الأسباب الجالبة للشقاء، فأهمها جمود العينين وقسوة القلب والحرص الشديد على الدنيا والإصرار على الذنوب، وقد يعاني الإنسان مع توفر أسباب السَّعادة، فالذي يسكن في خيمة في أعماق الصَّحراء بدون ماء للشرب، ولا مولد كهرباء، كيف تكون حاله فإن ساكن أرقى المدن ويجد كل ما يحلم به، ولكنه قد يشكو من أمراض العصر، فالذي أعطاه الله المال والصَّحة والعافية قد لا يعرف طعم راحة البال فالكل من البشر يخرج من هذه الدُّنيا بحظوظ متقاربة، فلو دخل كل واحد منا قلب الآخر لا شفق عليه ولرأى عدل الله في الموازين الظاهرية فداخل القلوب ترقد الحسرات والآهات والحاسدون والحاقدون والمفترون والمخادعون والغافلون عن الحقائق
لو عرف الإنسان الله حق المعرفة لطلب الدنيا بعزة الأنفس وسعى في هذه الدنيا لطلب العيش، فإن العذاب ليس له طبقة وإنما هم قاسم مشترك وإذا استغنى النَّاس بالدنيا، فاستغن بالله، وإذا فرحوا بالدنيا، فافرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبائهم فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى كبرائهم لينالوا بهم العزَّة والكرامة، فتعرف أنت إلى الله، وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة.
فهناك نفوس تعلو على شقائها وتتجاوزه وترى فيه الحكمة والعبرة، وهناك نفوس مستنيرة ترى العدل والجمال في كل شيء وتحمد الله على كل أفعاله، وهناك نفوس تمضغ شقاءها وتجتره وتحوله إلى حقد أسود وحسد أكال، تلك هي النفوس المظلمة.
فكل نفس تمهد بموقفها لمصيرها النهائي في عالم الآخرة حيث يكون الشقاء الحقيقي أو السعادة الحقيقية، فأهل الرضا إلى النعيم، أما أهل الحقد والحسد إلى الجحيم فإن الدنيا إلا امتحان لإبراز المواقف، مع اختلاف النفوس وتفاضلها إلا بمواقفها، وليس بالشقاء والنعيم اختلفت، ولا بالحظوظ المتفاوتة تفاضلت ولا بما يبدو على الوجوه من ابتسامة أو بكاء فذلك هي الصورة الظاهرة الخادعة أما خلف الكواليس وعلى ساحة الحقيقة فلا تجد ظالم ولا مظلوم، وإنما تجد عدل مطلق فهذه تجري على سنن ثابته لا تختلف، حيث يمنح الله السلوى الخفية للإنسان المحروم وينير ضمائر غير المبصرين، و يلاطف أهل المسكنة فأهل العبرة والحكمة في راحة لأنهم ادركوا كل الأمور بعقولهم، وأهل الله في راحة لأنهم اسلموا إلى الباري عزَّ وجلَّ في ثقة، وقبلوا فقد جمعوا لأنفسهم الراحتين راحة القلب وراحة العقل، فأثمرت الراحتان راحة ثالثة فهي راحة الأبدان، أما أهل الغفلة فهم الأكثرية فمازالوا يقاتلون ويصارعون بعضهم بعضاً من أجل شهوات الدُّنيا الفانية.
فإذا بحث الإنسان عن أسرار السَّعادة الخفية فإنه سيجدها في تقوى الله سبحانه وتعالى فيجب عليه أن يجعل للفرح شكراً، وللحزن صبراً، وللصمت تفكراً، وللنطق ذكراً، وللحياة طاعة وبعد هذه الكلمات آنفة الذكر سوف تجد السَّعادة الحقيقية بعد الله.
والله هو الموفِّقُ والمعينُ.