د. عبدالمحسن الرحيمي
في المملكة العربية السعودية، للبيعة معنى يتجاوز المناسبة وتاريخها؛ فهي عهدٌ يستقر في الوجدان، وولاءٌ لا يُكتب في الوثائق بقدر ما يسكن في النفوس، وعلاقةٌ بين القيادة والشعب تشكلت عبر تاريخ طويل من الثقة والتلاحم. فالبيعة بأعناقنا، والولاء دمٌ يجري بعروقنا، ومن هذا الشعور المتجذر جاءت تلك العلاقة التي جعلت الاستقرار السعودي قيمةً وطنية راسخة، وأعطت الدولة قدرتها على أن تمضي بثقة في بناء حاضرها وصناعة مستقبلها.
وحين نستعيد ذكرى البيعة الثانية عشرة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- فإننا لا نستعيد اثني عشر عامًا من الزمن فحسب، بل نستحضر مرحلة واسعة من التحولات التي شهدتها المملكة، وهي تحافظ على ثوابتها وتعيد في الوقت ذاته بناء أدواتها وقدراتها وطموحاتها. وبين الثابت والمتغير تظهر قيمة القيادة حين تحمل تاريخ الدولة إلى المستقبل، وتفتح أمام الوطن آفاقًا جديدة دون أن تفقده جذوره.
غير أن معنى البيعة لا يُقرأ في المشاريع والسياسات وحدها؛ فهناك وجه آخر أكثر قربًا إلى الإنسان، يظهر عندما يحتاج المواطن إلى وطنه في لحظة مرض أو خوف أو أزمة. يظهر في الإخلاء الطبي ونقل المرضى للعلاج، وفي متابعة السعوديين في الخارج عندما تحيط بهم الظروف الصعبة، وفي تسخير الإمكانات لإعادتهم إلى وطنهم، وفي السؤال عن المريض والمصاب وزيارته والاطمئنان عليه. وتظهر هذه الروح كذلك في المجالس المفتوحة التي يلتقي فيها الناس بقياداتهم، وفي القرب من المواطنين والاستماع إليهم، وهي مواقف تختصر في لحظاتها معنى الدولة الحاضرة إلى جانب إنسانها.
وقد تبدو هذه التفاصيل صغيرة إذا وضعت إلى جوار المدن والمشروعات العملاقة، لكنها في وجدان الإنسان ليست صغيرة على الإطلاق. فالمواطن قد ينسى كثيرًا من الأرقام، لكنه لا ينسى وطنًا وقف معه عندما كان ضعيفًا، ولا ينسى قيادةً شعرت بألمه، ولا دولةً لم تتركه وحيدًا في الغربة أو المرض أو المحنة. ومن تراكم هذه المواقف تتشكل الثقة، وتتحول العلاقة بين المواطن ووطنه إلى شعور عميق بالأمان والانتماء.
ومن هذا المعنى امتدت عناية الدولة إلى حياة المواطن اليومية، عبر برامج الدعم والحماية الاجتماعية، وبرامج العمل والتوظيف مثل حافز، والضمان الاجتماعي، وبرامج الإسكان والدعم السكني والإسكان الخيري، ومبادرات تستهدف الأسرة والفئات الأكثر احتياجًا، إلى جانب منظومة جودة الحياة التي وسعت مفهوم الرفاهية لتشمل المدينة والرياضة والثقافة والترفيه والسياحة والبيئة والخدمات، وفتحت أمام الشباب والمرأة والمواهب الوطنية مجالات أوسع للمشاركة وصناعة الفرص.
وهنا تتسع دلالة التنمية؛ فالتنمية التي يشعر بها الإنسان ليست رقمًا في الناتج المحلي، ولا مشروعًا على خارطة، وإنما حياة أكثر استقرارًا، وخيارات أوسع، وسكنًا أكثر ملاءمة، وفرصة عمل، ومدينة أجمل، وبيئة أفضل، ووقتًا يجد فيه الإنسان ما يثري حياته وحياة أسرته. وحين تصل التنمية إلى هذه التفاصيل يصبح أثر الدولة محسوسًا في حياة الناس، ويصبح التحول تجربة يعيشها المواطن، لا عنوانًا يقرأه في التقارير.
وفي عهد الملك سلمان، جاءت رؤية المملكة 2030، التي يقودها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لتمنح هذا التحول إطارًا واسعًا؛ رؤية تتعامل مع المستقبل باعتباره مشروعًا يحتاج إلى بناء القدرات والمؤسسات والاقتصاد والإنسان، وإلى تنويع مصادر القوة الوطنية، وتحفيز الاستثمار، وتطوير القطاعات الجديدة، ورفع كفاءة الأداء الحكومي.
والأهم أن التحول السعودي اتجه إلى بناء القدرة؛ قدرة اقتصادية أكثر تنوعًا، ومؤسسات أكثر كفاءة، وبنية رقمية متقدمة، واستثمار أعمق في الإنسان، وحضور دولي أكثر تأثيرًا. وهذه القدرة هي التي تمنح الدولة مساحة أوسع للحركة، وتجعلها أكثر استعدادًا لعالم سريع التغير، وأكثر قدرة على حماية مكتسباتها وصناعة فرص جديدة لأجيالها.
لكن وراء كل ذلك معنى أقدم وأعمق من البرامج والرؤى؛ هو علاقة الإنسان بوطنه. فمنذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن ـ طيب الله ثراه ـ ارتبط قيام الدولة السعودية بمعاني الوحدة والأمن والاستقرار، وتوارثت الأجيال هذا الانتماء حتى أصبحت المحافظة على الوطن واستقراره جزءًا من الوعي والهوية.
ولهذا فالولاء في وجداننا ليس شعارًا يُستعاد في مناسبة، وإنما إحساسٌ بالانتماء يتجسد في المسؤولية والعمل والمحافظة على الوطن ومكتسباته واحترام أنظمته وأداء الواجب. وهو أيضًا علاقة متبادلة؛ فالمواطن الذي يجد وطنه إلى جواره في صحته وسكنه وعمله وأمنه، وفي أزماته داخل المملكة وخارجها، تتعمق صلته به، ويصبح الوطن بالنسبة إليه أكثر من أرض يعيش عليها؛ يصبح أمانًا وذاكرةً ومستقبلًا.
ولعل هذا أحد أسرار قوة التجربة السعودية: رسوخ الجذور مع اتساع الطموح. وطن يعرف تاريخه، لكنه لا يعيش في الماضي، وقيادة تحافظ على ثوابت الدولة، لكنها تدفع بها إلى مساحات جديدة في الاقتصاد والتقنية والثقافة والسياحة والاستثمار، وشعب يرى في هذه المسيرة امتدادًا لمستقبله ومستقبل أبنائه.
اثنا عشر عامًا من البيعة تكشف لنا أن العلاقة بين القيادة والشعب لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بما يتراكم عبر السنوات من مواقف وثقة وإنجاز ومسؤولية؛ فالثقة تمنح الاستقرار، والاستقرار يفتح الطريق أمام الطموح، والطموح يتحول إلى واقع حين يلتقي بقدرة الدولة وإرادة المجتمع. وفي هذه المعادلة يبقى الإنسان السعودي في قلب الصورة: مواطن يحتمي بوطنه، ويعتز بقيادته، ويشارك في بنائه، ويرى مستقبله جزءًا من مستقبل المملكة.
وفي ذكرى البيعة الثانية عشرة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ تتجدد مشاعر الوفاء والمحبة، وتتجدد معها مسؤوليتنا تجاه وطنٍ منح أبناءه الأمن والاستقرار والفرصة، وفتح أمامهم أبوابًا واسعة للمستقبل، ومضى بقيادته الواثقة نحو مكانة تليق بتاريخه وإمكاناته وطموحه.
فالبيعة بأعناقنا.. والولاء دمٌ يجري بعروقنا.. والوطن أمانةٌ نحملها في قلوبنا، ونحفظها بأفعالنا، ونورثها لأبنائنا وطنًا عزيزًا آمنًا، مزدهرًا، يزداد رفاهيةً واقتدارًا.