د. منصور بن حلمي المطيري
يمثل مرور اثني عشر عامًا على تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله مقاليد الحكم- مناسبة وطنية رفيعة نفخر بها وتستعرض فيها المملكة ما تحقق من منجزات تنموية شاملة، وما شهدته كافة القطاعات الحيوية من تطور نوعي يعكس متانة التخطيط الإستراتيجي وفاعلية السياسات التي تبنتها الدولة في إطار رؤيتها الطموحة. وقد حظي قطاع الزراعة، الأمن الغذائي، باهتمام كبير خلال هذه المرحلة، إدراكًا لأهميته في تعزيز استدامة الموارد الوطنية وضمان توفر الغذاء الآمن للمواطن والمقيم، بما يرسخ مكانة المملكة كدولة قادرة على مواجهة المتغيرات العالمية بثبات واقتدار.
ومنذ تولي خادم الحرمين الشريفين مقاليد الحكم، شهد القطاع الزراعي تحولًا واسعًا في بنيته التنظيمية والتقنية، حيث جرى اعتماد منظومات حديثة في إدارة الموارد الطبيعية، وتطبيق تقنيات متقدمة في مجالات الزراعة، إضافة إلى تطوير سلاسل الإمداد ورفع كفاءة الإنتاج المحلي. وأسهمت هذه الجهود في تعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتحقيق نسب مرتفعة من الاكتفاء الذاتي في العديد من السلع الزراعية الأساسية، مما يعكس نجاح الدولة في تحويل التحديات إلى فرص تنموية مستدامة.
وفي مجال الثروة الحيوانية، حققت المملكة توسعًا ملحوظًا في حجم وكفاءة الإنتاج، وتحسين جودة الخدمات البيطرية والصحة الحيوانية، إلى جانب تطوير وإنشاء مدن متخصصة للإنتاج الحيواني، من أبرزها مدينة البروتين الحيواني بمنطقة جازان، ومدينة الثروة الحيوانية بحفر الباطن، وقد بلغ عدد الثروة الحيوانية قرابة 32 مليون رأس من مختلف الفئات، إضافة إلى 622 مزرعة متخصصة لإنتاج الدواجن و31 مزرعة أبقار لإنتاج الحليب والتسمين، إلى جانب التوسع في مشاريع الاستزراع السمكي التي أسهمت في رفع إنتاج المملكة من الأسماك والمنتجات البحرية. ويعكس ذلك حجم التطور الذي شهده هذا القطاع الذي يمثل عنصرًا رئيسًا في منظومة الأمن الغذائي. كما شهدت المملكة تقدمًا كبيرًا في صناعة الأعلاف الحيوانية، حيث جرى تطوير أنظمة الرقابة ورفع كفاءة الإنتاج وزيادة الطاقة التصنيعية للأعلاف المركبة، فيما تبلغ كمية الإنتاج من محاصيل الأعلاف الخضراء نحو 4.5 ملايين طن سنوي، وهو ما يعزز قدرة القطاع الحيواني على تلبية احتياجاته من مدخلات الإنتاج ويدعم استدامة النمو في هذا المجال.
وقد جاء هذا التطور ضمن إطار شامل يركز على الإدارة المتكاملة للموارد الطبيعية واستدامتها، من خلال تبني التقنيات الحديثة في الإنتاج الزراعي. وإطلاق برامج وطنية لإعادة تأهيل الأراضي والتشجير. كما أسهمت برامج التحول الزراعي، ومبادرات الأمن الغذائي الإستراتيجي، في رفع كفاءة الإنتاج المحلي وتوسيع قاعدة الاستثمار الزراعي، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وبصفتي أحد المتخصصين في هذا القطاع الحيوي، فإن الخبرة والمعطيات تؤكد أن ما تحقق خلال هذه السنوات يمثل مرحلة تاريخية فارقة في مسيرة التنمية الوطنية، أسهمت في ترسيخ أسس قوية للقطاع الزراعي، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات ورفع معدلات الاكتفاء الذاتي. ومع استمرار مسيرة التطوير تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين - حفظهما الله - فإننا نتطلع إلى مستقبل أكثر نماء واستدامة يواكب تطلعات الوطن ويحقق رؤيته الطموحة، بما يليق بمكانة المملكة ودورها الريادي في المنطقة والعالم.