حذامي محجوب
ليس كل من يصل إلى قمة السلطة يبدأ من القمة.
هناك رجال تصنعهم المناصب، وهناك رجال تصنعهم الحياة قبل أن تمنحهم المناصب أسماءها وألقابها.
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ينتمي إلى الصنف الثاني.
جاء إلى الحكم وفي رصيده عقود طويلة من المسؤولية والشأن العام، وتجربة سياسية وإدارية وإنسانية جعلت من وصوله إلى قيادة المملكة امتدادا لمسيرة ثرية بالعطاء، ولا بداية لمسيرة.
لهذا فإن ذكرى البيعة ليست مجرد مناسبة لاستعادة يوم تولى فيه الملك سلمان مقاليد الحكم، وإنما هي فرصة للتوقف أمام شخصية قائد ورجل دولة أمضى جزءًا كبيرًا من عمره في خدمة وطنه قبل أن يصبح ملكا عليه، وعرف الدولة من داخلها، وعرف الناس عن قرب، وعرف الرياض وهي تكبر وتتغير امامه، وعرف السياسة وهي تتبدل، وعرف المنطقة وهي تمر من مرحلة إلى أخرى.
لعل أجمل ما يمكن أن يقال عن الملك سلمان أن الأمير المحبوب الذي كان قبل أن يصبح ملكا لم يختفِ خلف هيبة السلطة والنفوذ والملك.
بقيت في شخصيته ملامح الرجل الذي عرفته الرياض، والقارئ الذي أحب الكتاب، والمهتم بالتاريخ، والمتابع للصحافة، والمسؤول الذي اعتاد الإصغاء إلى الناس ومتابعة شؤونهم وتفاصيل حياتهم.
من الصعب أن نقرأ شخصية الملك سلمان بعيدًا عن العاصمة الرياض.
كانت مدرسته السياسية والإدارية الكبرى. أمضى فيها عقودا طويلة أميرًا عليها، وعاش تحولاتها، وعرف أحياءها وأهلها ومؤسساتها، وشهد انتقالها من مدينة تنمو في قلب الجزيرة إلى واحدة من أكثر العواصم حضورًا وتأثيرًا في المنطقة والعالم.
ولم تكن إمارة الرياض بالنسبة إليه منصبًا إداريًا فحسب، بل كانت تجربة إنسانية وسياسية عميقة، ففي المدن الكبرى يتعلم المسؤول أن وراء كل قرار حياةً لإنسان، وأن الإدارة ليست أوراقًا ومؤسسات فقط، وإنما مسؤولية يومية تجاه الناس.
ومن هنا ربما نفهم ذلك القرب الذي ارتبط باسم الملك سلمان.
فالإنسان الذي عاش طويلا بين الناس لا يحتاج إلى أن يتعلم القرب منهم بعد وصوله إلى الحكم.
لقد كان قريبًا منهم قبل ذلك، وعرف همومهم وتطلعاتهم، وعايش تفاصيل المجتمع السعودي في مراحل مختلفة من تطوره.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يحتفظ في الذاكرة الشعبية بصورة المسؤول الذي يعرف الناس ويستمع إليهم، ثم الملك الذي بقيت المسافة بينه وبين المجتمع أقرب مما قد يوحي به ثقل المنصب.
والتواضع في شخصية الملك سلمان ليس تفصيلًا هامشيًا.
فالتواضع الحقيقي لا يعني أن يتخلى صاحب المكانة عن هيبته، وإنما أن لا تحجبه المكانة عن الإنسان.
في هذا المعنى تبدو شخصية الملك سلمان لافتة، إذ يجتمع فيها مقام الملك وهيبة الدولة مع ملامح إنسانية قريبة من الناس.
وربما كان هذا أحد مفاتيح المحبة التي حظي بها، فالناس لا يصنعون علاقتهم بالحاكم من خلال القرارات الكبرى وحدها، وإنما من خلال الصورة الإنسانية التي تتكون في ذاكرتهم عنه.
واللافت في هذه الشخصية أيضا أن السياسة لم تطغَ على الثقافة، وأن رجل الدولة لم يبتعد عن الكتاب.
فالملك سلمان معروف باهتمامه بالتاريخ والتراث والوثائق، وبعلاقته بالقراءة والصحافة والإعلام.
وهذه ليست مجرد اهتمامات شخصية منفصلة عن تجربته السياسية، فالذي يقرأ التاريخ يعرف أن الدول لا تُفهم من حاضرها وحده، والذي يتابع الصحافة يعرف أن المجتمع يتحدث من خلالها، والذي يقرأ يعرف أن الأفكار التي تصنع المستقبل تبدأ غالبًا من سؤال، أو كتاب، أو تجربة، أو تأمل طويل.
وربما كان شغفه بالتاريخ أحد مفاتيح فهم شخصيته.
فالتاريخ بالنسبة إلى رجل دولة ليس حكايات عن الماضي، وإنما ذاكرة تستحضرها الأمم حين تبحث عن موقعها في الحاضر والمستقبل.
ولذلك بقي اهتمام الملك سلمان بتاريخ المملكة والجزيرة العربية والتراث جزءًا من حضوره العام، وكأنه يدرك أن الدولة التي تعرف جذورها تستطيع أن تتحرك بثقة أكبر نحو المستقبل.
أما علاقته بالصحافة، فتمنحه بعدًا آخر. فالصحافة بالنسبة إلى رجل عاش في قلب الحياة العامة ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل نافذة يرى من خلالها المجتمع نفسه، ويقرأ منها نبض الناس وتحولاتهم. والملك سلمان، بحكم قربه الطويل من العمل العام، عرف قيمة الكلمة والإعلام في تشكيل الوعي، وعرف أن الصحافة لا تكتفي بوصف الأحداث، وإنما تسهم في صناعة النقاش العام حولها.
وهنا تتضح صورة رجل الدولة الذي لا يكتفي بأن يعرف ما يحدث، بل يريد أن يفهم لماذا يحدث، وما الذي يمكن أن يحدث بعده.
وهذا بالضبط ما يجعل التجربة الطويلة ذات قيمة، فهي تمنح صاحبها قدرة على قراءة اللحظة في ضوء ما سبقها وما يمكن أن يليها.
ولعل من أبلغ ما يكشف عن هذه القدرة على قراءة المستقبل، وعلى قراءة الرجال في الوقت نفسه، اختيار الملك سلمان للأمير محمد بن سلمان وليًا للعهد.
لم يكن الاختيار، في معناه الأعمق، قرارًا يتعلق بالمنصب وحده، وإنما كان تعبيرًا عن ثقة في جيل جديد من القيادة، وفي شخصية رآها الملك سلمان عن قرب، وتابع تطورها، وأدرك ما تتمتع به من فطنة وطموح وقدرة على التقاط التحولات واستيعابها.
فالملك الذي أمضى عمرًا في السياسة والإدارة يعرف أن المستقبل لا يمكن أن يُدار بعقل الماضي، وأن الدول التي تريد أن تتقدم تحتاج إلى أن تكتشف في أبنائها القدرة على تجاوز اللحظة والنظر إلى ما وراءها.
وهنا تظهر واحدة من أجمل خصال الملك سلمان: أنه عرف أن الحكمة ليست في أن يحتفظ القائد بكل شيء لنفسه، وإنما في أن يعرف متى يفتح الطريق أمام جيل جديد يحمل طاقة المستقبل.
وقد جاء اختيار الأمير محمد بن سلمان في سياق تحولات كبرى كانت المملكة تستعد لها. ثم جاءت «رؤية السعودية 2030» لتمنح هذه التحولات إطارًا واسعًا، لا يقتصر على الاقتصاد، وإنما يتصل بإعادة بناء الفرص أمام الإنسان السعودي، وتنويع الاقتصاد، وتطوير القطاعات الجديدة، وتعزيز حضور المملكة عالميًا، وصناعة مستقبل مختلف للأجيال القادمة.
وقد بارك الملك سلمان هذه الرؤية ودعمها، لأن ما كان يُطرح لم يكن مجرد خطة اقتصادية، بل مشروعا واسعا لإعادة تعريف إمكانات المملكة وموقعها في العالم.
وفي شخصية الأمير محمد بن سلمان رأى خادم الحرمين الشريفين قدرة على حمل هذا المشروع والدفع به إلى الأمام.
ومن هنا تبدو العلاقة بين الملك و»رؤية 2030» أكثر عمقًا من كونها علاقة بين قيادة وخطة، إنها علاقة بين تجربة تعرف الدولة جيدًا، وطموح يريد أن يأخذها إلى أفق جديد.
وهذا هو الفارق بين قيادة تخشى المستقبل وقيادة تستعد له.
فالملك سلمان لم ينظر إلى الشباب بوصفهم جيلا ينتظر دوره فقط، وإنما بوصفهم طاقة ينبغي أن تجد طريقها إلى صناعة المستقبل.
وحين يختار قائد بحجم خبرته رجلًا شابًا لمهمة بهذا الحجم، فإن ذلك يكشف شيئًا عن رؤيته هو بقدر ما يكشف عن الشخص الذي اختاره.
ومن هنا يصبح الأمير محمد بن سلمان، في جانب من جوانب مسيرته، امتدادًا لفكرة أوسع لدى والده الملك سلمان: أن الدولة التي تحترم تاريخها لا ينبغي أن تسجن نفسها فيه، وأن الوفاء للماضي لا يعني الخوف من المستقبل.
هذه الرؤية نفسها يمكن أن نجد صداها في السياسة الخارجية للمملكة.
فالملك سلمان رجل يعرف المنطقة وتاريخها وتعقيداتها، ولذلك جاءت علاقاته الدبلوماسية محكومة بمعادلة تجمع بين الثبات والمرونة، وبين الحزم والحوار، وبين الدفاع عن مصالح المملكة والانفتاح على العالم.
لقد حافظ في سياسته على مركزية المملكة العربية السعودية في محيطها العربي والإسلامي، وعلى علاقاتها الدولية، وعلى حضورها في الملفات التي تمس أمن المنطقة واستقرارها.
ولم تكن الدبلوماسية بالنسبة إليه مجرد لقاءات وبروتوكولات، بل أداة من أدوات حماية المصالح وبناء الشراكات وتعزيز مكانة الدولة. وربما كانت القمم العربية التي حضرها الملك سلمان إحدى الصور الواضحة لهذه الشخصية الدبلوماسية.
ففيها لا يحضر الملك باعتباره قائد دولة فحسب، وإنما باعتباره حاملًا لذاكرة عربية طويلة، ومدافعًا عن قضايا يرى أنها جزء من مسؤولية المملكة ومكانتها.
وأنا، كامرأة. تونسية، لا أستطيع أن أكتب عن الملك سلمان دون أن تستوقفني تونس.
لا أستطيع أن أنسى زيارته إلى تونس في شهر آذار 2019، حين جاء للمشاركة في القمة العربية الثلاثين.
كان قدومه بالنسبة إلى التونسيين حدثا استثنائيًا. كانت في حضوره فرحة وبهجة وشيء من ذلك الشعور الجميل الذي ينتاب شعبًا حين يستقبل ضيفا عزيزا يعرف أن وراء زيارته محبة وموقفًا ورسالة.
وصل الملك سلمان إلى تونس في 28 آذار 2019، وترأس وفد المملكة في القمة العربية، وغادرها في 31 آذار. وفي قلب تلك الزيارة أطلقت مشاريع حملت اسمه وتركت أثرًا يتجاوز اللحظة السياسية.
ففي قصر قرطاج أطلق مع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي مشروع ترميم جامع عقبة بن نافع والمدينة العتيقة بالقيروان، ومشروع ترميم جامع الزيتونة، ووضع حجر الأساس لمستشفى الملك سلمان الجامعي بالقيروان.
كانت تلك المشاريع، بالنسبة إلى التونسيين، أكثر من أرقام واتفاقيات.
كان فيها معنى جميل للعلاقة بين بلدين عربيين شقيقين، أن تمتد يد المملكة إلى تونس لا في السياسة والاقتصاد وحدهما، وإنما إلى الذاكرة أيضًا، إلى جامع الزيتونة المعمور، وإلى القيروان، وإلى أحد أعرق الرموز الإسلامية في المغرب العربي، وإلى مستشفى ينتظر أن يخدم الإنسان التونسي. ولذلك بقيت تلك الزيارة في الذاكرة التونسية.
لقد كان قدوم الملك سلمان لحظة فرح، لكن ما جعل الفرحة أعمق هو ما تركه وراءه من مشاريع وعطاء.
وأذكر أنني يومها شعرت، كما شعر كثير من التونسيين، بأن العلاقات بين الدول يمكن أن يكون لها وجه آخر أكثر إنسانية من البيانات الرسمية.
فالسياسة حين تصل إلى مسجد تاريخي فترممه، وحين تصل إلى مدينة عريقة فتحفظ ذاكرتها، وحين تصل إلى مستشفى فتمنح الناس أملًا في العلاج، تصبح أقرب إلى الناس وأبقى في وجدانهم.
وكان لافتًا أن تتجه العناية إلى القيروان والزيتونة في الوقت نفسه، إلى المكان الذي تختزن فيه تونس جزءًا عميقًا من ذاكرتها العربية والإسلامية.
وكأن الرسالة كانت أن العلاقات بين السعودية وتونس لا تُبنى اليوم فقط، وإنما تستند إلى تاريخ طويل من الروابط الثقافية والدينية والإنسانية.
حتى في القمة نفسها، كان حضور الملك سلمان تعبيرًا عن دور المملكة في محيطها العربي، وقد التقى على هامشها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وبحثا الجهود الرامية إلى السلام والاستقرار في المنطقة.
وهنا نصل إلى وجه آخر من شخصية الملك سلمان: العمل الإنساني.
فالعمل الخيري في عهده لم يبقَ في إطار المبادرات الفردية أو الموسمية، وإنما أخذ طابعا مؤسسيا واسعًا من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.
ومنذ تأسيسه أصبح المركز إحدى أبرز الأدوات التي تعكس البعد الإنساني في السياسة السعودية، من خلال مشروعات الإغاثة والصحة والغذاء والمياه والتعليم والإيواء وغيرها.
وهنا لا تعود الأرقام هي الأهم، رغم ضخامتها، بل الإنسان الذي تقف وراءه الأرقام: طفل وصل إليه الغذاء، مريض وصل إليه الدواء، أسرة وجدت مأوى، إنسان وجد ماءً في مكان أنهكته الحرب أو الكارثة.
ذلك أن العمل الإنساني يكشف معدن الدول كما يكشف معدن الأفراد.
والدولة التي تمد يدها إلى الإنسان في لحظة ضعفه، إنما تقدم صورة عن نفسها لا تستطيع الخطب السياسية أن تقدمها وحدها.
ومن هذه الزاوية يصبح العمل الخيري جزءًا من شخصية الملك سلمان، لا ملفًا منفصلًا عنها.
فالملك الذي عرف الناس عن قرب، والذي عاش تفاصيل المجتمع، والذي اهتم بالتاريخ والثقافة، من الطبيعي أن يرى في الإنسان خارج حدود بلاده أيضًا قيمة تستحق الحماية والمساعدة.
وإذا كان الملك سلمان قد عرف الرياض، فإنه عرف كذلك معنى المملكة كدولة لها رسالة ومكانة.
المملكة في عهده لم تكن تبحث عن حضور رمزي فحسب، وإنما كانت تعزز حضورها في الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية والثقافة والعمل الإنساني، وتعيد بناء صورتها بما يتناسب مع موقعها وإمكاناتها.
لكن خلف كل هذه الملفات الكبرى يبقى شيء أكثر بساطة، وربما أكثر تأثيرا: الإنسان.
الملك سلمان الذي نراه في القمم والقرارات والمشروعات هو نفسه الرجل الذي عرفته الرياض، والقارئ الذي أحب الكتب، والمهتم بالتاريخ، والمتابع للصحافة، والأب الذي رأى في أحد أبنائه قدرة على حمل جزء من مستقبل وطن، والملك الذي يعرف أن الدولة مهما بلغت قوتها تبقى في النهاية من أجل الإنسان.
وهذه ربما هي إحدى أجمل خصال القيادة: أن يستطيع القائد أن يجمع بين الكبير والصغير، بين الدولة والفرد، بين التاريخ والمستقبل، بين هيبة المنصب وبساطة الإنسان.
لقد تغيرت المملكة كثيرًا خلال العقود التي عاشها الملك سلمان في قلبها. لكنه هو أيضًا كان جزءًا من هذا التغير، شاهدًا عليه وصانعًا لبعض فصوله.
ومن أمير العاصمة الرياض إلى ملك المملكة العربية السعودية، لم تكن المسافة مجرد انتقال من منصب إلى منصب، بل كانت رحلة طويلة في مدرسة الدولة.
ولهذا فإن محبة السعوديين وتعلقهم بالملك سلمان ليست وليدة يوم البيعة.
إنها محبة تراكمت عبر سنوات طويلة من المعرفة والذاكرة والمواقف.
عرفه الناس قبل أن يصبح ملكًا، ورأوا فيه رجلًا من رجالات دولتهم، ثم رأوا فيه ملكًا عادلا حكيما يقودها في مرحلة شديدة التعقيد والتحول.
والناس لا يحبون القادة لأنهم بعيدون عنهم، وإنما لأنهم يجدون فيهم شيئًا يشعرون أنه يشبههم: صدقًا، أو تواضعًا، أو قربًا، أو ذاكرة مشتركة، أو موقفًا في لحظة صعبة.
في شخصية الملك سلمان اجتمعت أشياء كثيرة من ذلك.
هو رجل دولة، لكنه لم يسمح للدولة أن تحجب الإنسان فيه.
وهو ملك، لكنه لم ينسَ الرجل الذي عرفته الرياض.
وهو قارئ للتاريخ، لكنه لم يجعل الماضي حاجزًا أمام المستقبل.
وهو سياسي يعرف الحزم، لكنه يعرف أيضًا قيمة الدبلوماسية.
وهو قائد يثق في الجيل الجديد، ولذلك لم يتردد في أن يمنح الأمير محمد بن سلمان مساحة واسعة لصناعة المستقبل.
وهو رجل يعرف أن قوة الدولة لا تكتمل بالقوة السياسية والاقتصادية وحدها، وإنما تكتمل أيضًا بما تقدمه للإنسان من أمن وفرص وكرامة وأمل.
لهذا كله، فإن ذكرى البيعة لا تستعيد تاريخًا فحسب: إنها تستعيد معنى.
معنى أن تكون القيادة تجربة طويلة، وأن يكون الحكم مسؤولية، وأن يكون القرب من الناس مصدرًا من مصادر القوة، وأن تكون قراءة التاريخ طريقًا إلى فهم المستقبل.
ومن تونس، أقول إن صورة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان عندنا لا ترتبط فقط بما نقرأه في الأخبار عن المملكة، وإنما تحمل أيضًا ذكرى ذلك اليوم الذي جاء فيه إلى تونس، فكان حضوره فرحة، وكانت مشروعاته أثرًا، وكانت رسالته أبعد من أيام القمة.
وأظن أن أجمل ما يمكن أن يقال عن رجل دولة في ذكرى بيعته أن أثره لا يبقى في القصور ولا في البروتوكولات، وإنما يعبر الحدود ويصل إلى الناس.
وهذا ما يجعل سيرة الملك سلمان مختلفة.
فهو لم يصل إلى الحكم ليبدأ قصة جديدة، وإنما وصل إليه وهو يحمل قصة وطن عاشها طويلًا، ويعرف تاريخها، ويعرف أهلها، ويعرف نقاط قوتها، ويعرف أن المستقبل لا ينتظر أحدًا.
ومن الرياض التي عرفها صغيرًا وكبيرًا، إلى المملكة التي يقودها اليوم، تمتد سيرة رجل اختلطت تجربته بتجربة وطن.
رجل عرف الناس قبل أن يصبح ملكًا، فعرفوه ملكًا دون أن ينسوا الإنسان.
ولعل هذا هو سر المحبة الأصدق: أن ترى الشعوب في قائدها رجلًا قبل أن ترى فيه منصبا، وأن تشعر أن هيبة الدولة لا تلغي دفء الإنسان.
وفي ذكرى البيعة، لا أجد أبلغ من أن أقول: إن الملك سلمان لم تصنعه البيعة وحدها، بل صنعت البيعةُ امتدادًا لرجل كانت سنواته الطويلة في خدمة الدولة هي التي هيأت له أن يحمل أمانتها.