د. يحيى جابر
التوعية بمخاطر الإشاعة ليس ضروريا في وقت الحروب والأزمات، بل في كل وقت نظراً لخطر الإشاعة على النفسية الجمعية للمجتمعات، وتتسبب الشائعة في إرباك المجتمع، وزيادة القلق والخوف، والإضرار بسمعة الأفراد والمؤسسات، وإضعاف الثقة بالمعلومات الصحيحة، وقد تتجاوز آثارها الجانب الاجتماعي لتصل إلى الجوانب النفسية والإنسانية والأمنية والاقتصادية في بعض الأحيان، وتزداد خطورتها مع سرعة تداول الرسائل والصور والمقاطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يمكن لمعلومة غير موثوقة أن تنتقل إلى أعداد كبيرة من الناس خلال وقت قصير، قبل أن تتاح فرصة التحقق منها أو تصحيحها، والأكثر خطورة أن بعض الشائعات تنتشر بحسن نية، عندما يعيد شخص إرسالها اعتقادًا منه أنه يحذر الآخرين أو يقدم لهم معلومة مهمة، ولذلك فإن مواجهة الشائعة تبدأ ببناء وعي يجعل الفرد يدرك أن إعادة النشر مسؤولية، وأن سرعة انتشار المعلومة لا تمنحها صفة الحقيقة، وأن التحقق يجب أن يسبق المشاركة، الشائعة ليست مجرد خبر غير صحيح، وإنما ظاهرة اتصالية واجتماعية تتغذى على الغموض والخوف والفضول وضعف التحقق، وقد تتحول خلال فترة قصيرة من معلومة مجهولة المصدر إلى اعتقاد واسع، ثم تؤثر في سلوك الأفراد ومواقفهم تجاه الأشخاص والمؤسسات والأحداث، وكلما كان الموضوع أكثر حساسية، أصبحت آثار الشائعة أكثر اتساعًا، خصوصًا عندما ترتبط بالأمن أو الاقتصاد أو الصحة أو السمعة أو الأحداث الكبرى، وتكمن المشكلة في أن تصحيح الشائعة بعد انتشارها لا يعيد الأمور دائمًا إلى نقطة البداية؛ فالمعلومة الخاطئة قد تكون وصلت إلى عدد كبير من الأشخاص، بينما لا يصل التصحيح إلى الجميع، كما أن بعض المتلقين يحتفظون بالانطباع الأول حتى بعد ظهور الحقيقة، ولذلك فإن الوقاية من الشائعة من خلال بناء الوعي أكثر أهمية من الاقتصار على معالجتها بعد انتشارها، ومن هنا تبرز الحاجة إلى منظومة توعوية مستدامة تشترك فيها وزارة الإعلام، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ووزارة التعليم، ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، وهذا من وجهة نظري، وتمتلك كل جهة أداة مختلفة للوصول إلى المجتمع، لكن تكامل هذه الأدوات يمكن أن يصنع وعيًا متماسكًا يجعل التحقق من المعلومات سلوكًا يوميًا، وممارسة مستمرة ومستدامة.
الإعلام وبناء المناعة المجتمعية
تمتلك وزارة الإعلام قدرة واسعة على الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع من خلال التلفزيون والإذاعة والصحف والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، ولذلك فإن دورها يتجاوز الرد على الشائعات إلى بناء مناعة إعلامية مسبقة، وتحتاج الرسالة الإعلامية إلى أن تكون مستمرة ومتنوعة وقريبة من واقع الجمهور، بحيث تقدم نماذج عملية لطرق انتشار الشائعة وآثارها ووسائل الحد منها، ويمكن أن تشمل البرامج الإعلامية مواد قصيرة، وتقارير، وحوارات، ورسومًا توضيحية، وقصصًا واقعية تشرح كيف يمكن لمعلومة غير موثوقة أن تتحول إلى مشكلة اجتماعية أو أمنية أو إنسانية، كما يمكن للإعلام تعزيز حضور المصادر الرسمية في وعي الجمهور، بحيث يصبح الرجوع إلى الجهة المختصة هو المسار الطبيعي عند انتشار المعلومات الحساسة، بدل الاعتماد على الحسابات المجهولة أو الرسائل المتداولة، وهذا الدور لا يقتصر على التصحيح، بل يمتد إلى صناعة ثقافة إعلامية تجعل الفرد أكثر قدرة على التمييز بين الخبر الموثوق والمعلومة غير الموثقة، وأكثر إدراكًا لمسؤوليته عندما يشارك المحتوى.
الشائعة والجانب النفسي
يرتبط انتشار الشائعة بالحالة النفسية للمتلقي، خصوصًا في أوقات الخوف والقلق والغموض، فالإنسان يبحث بطبيعته عن تفسير لما يحدث، وقد يصبح أكثر قابلية لتقبل معلومة تتفق مع مخاوفه أو توقعاته، وتستفيد بعض الشائعات من هذه الحالة النفسية، فتقدم تفسيرًا سريعًا ومثيرًا، وتدفع المتلقي إلى إعادة النشر قبل التحقق، ولهذا فإن التوعية النفسية تمثل جزءًا أساسيًا من الوقاية، لأنها تساعد الفرد على إدراك تأثير الخوف والغضب والاستعجال في الحكم على المعلومات، ومن المهم أن تركز الرسائل التوعوية على تهدئة رد الفعل الأول أمام المحتوى المثير، وإتاحة مساحة زمنية للتحقق، والاعتماد على المصادر الموثوقة، وعدم تحويل الانفعال إلى مشاركة رقمية تزيد من انتشار المعلومة.
البعد الإنساني والأخلاقي
قد تستهدف الشائعة شخصًا أو أسرة أو مؤسسة، وقد تتضمن اتهامات أو معلومات شخصية أو تشويهًا للسمعة، وفي هذه الحالة لا تعود القضية مجرد خطأ في تداول الأخبار، وإنما تصبح مسألة إنسانية وأخلاقية لما قد تتركه من آثار على حياة المستهدفين، وقد يكون الضرر النفسي والاجتماعي الناتج عن الشائعة أكبر من حجم المعلومة نفسها، خصوصًا عندما تتعلق بالسمعة أو الأسرة أو العمل، كما أن انتشار المعلومة عبر المنصات الرقمية يجعل استعادة السيطرة عليها أكثر صعوبة بعد تداولها، لذلك يجب أن ترتكز التوعية على مفهوم المسؤولية الفردية، فالشخص الذي يعيد نشر معلومة غير موثوقة يساهم في توسيع نطاقها حتى لو لم يكن مصدرها، ومن الضروري ترسيخ احترام الخصوصية والسمعة، وعدم التعامل مع حياة الناس ومعلوماتهم الشخصية باعتبارها مادة قابلة للتداول.
البعد الديني
يمثل التثبت من الأخبار قيمة دينية وأخلاقية راسخة، قال الله تعالى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتَبَيَّنُوا}، ومن هذا المنطلق، يمكن لوزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد أن تؤدي دورًا مهمًا في ترسيخ ثقافة التثبت من خلال خطب الجمعة والدروس والمحاضرات والمواعظ، وربط المبادئ الدينية بالممارسات اليومية في البيئة الرقمية، وتزداد أهمية هذا الدور عندما تقدم الرسائل الدينية نماذج معاصرة مرتبطة بحياة الناس، مثل الأخبار المجهولة، والمقاطع المجتزأة، والمعلومات التي تمس الأشخاص، والرسائل التي تعتمد على التخويف أو الإثارة أو طلب إعادة الإرسال، فالامتناع عن نشر المعلومة غير الموثوقة ليس موقفًا إعلاميًا فقط، بل سلوك ديني وأخلاقي يحفظ حقوق الناس ويمنع الإضرار بهم، ويعزز مسؤولية الإنسان عن الكلمة التي يقولها أو يكتبها أو ينشرها.
التعليم وبناء الوعي المبكر
تملك وزارة التعليم واحدة من أهم أدوات الوقاية بعيدة المدى، لأن المدرسة والجامعة تشكلان بيئة مناسبة لبناء مهارات التعامل مع المعلومات منذ مراحل مبكرة، ويمكن أن تتضمن الأنشطة التعليمية تدريبات عملية على التحقق من الأخبار، وتمييز الخبر عن الرأي، والتعرف على المصادر الموثوقة، وفهم أثر الصورة والمقطع عندما يتم إخراجهما من سياقهما، إضافة إلى تعزيز مهارات التفكير النقدي والتعامل المسؤول مع وسائل التواصل، كما يمكن للمدارس والجامعات تنظيم برامج ومسابقات ومشروعات بحثية مستدامة طوال العام، تتناول الشائعة من جوانب إعلامية ونفسية واجتماعية وأمنية، بحيث ينتقل الطالب من تلقي التحذير إلى ممارسة التحقق بصورة عملية، ويمتد أثر هذا الدور إلى الأسرة والمجتمع، لأن الطالب الذي يتعلم التثبت من المعلومات يستطيع نقل هذه الثقافة إلى محيطه الاجتماعي، وبذلك تتحول المدرسة والجامعة إلى نقطة انطلاق للوعي المجتمعي.
المجتمع والجمعيات
تمثل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بوابة مهمة لتفعيل الدور المجتمعي من خلال الجمعيات والمؤسسات الأهلية المنتشرة بالآلاف وتفعيل البرامج والأنشطة الاجتماعية، ويمكن توظيف هذه المنظومة في تنفيذ برامج توعوية مستمرة تستهدف مختلف الفئات، مع مراعاة اختلاف احتياجات الشباب والأسر وكبار السن والفئات الأقل خبرة في التعامل مع الوسائل الرقمية، وتستطيع الجمعيات إقامة ورش عمل ومحاضرات ولقاءات مجتمعية، وإدخال التوعية بمخاطر الشائعة ضمن برامج المسؤولية الاجتماعية، بحيث تصبح جزءًا من النشاط المعتاد للجمعيات والمؤسسات الأهلية، كما يمكن أن تسهم هذه الجهات في الوصول إلى الفئات التي لا تتفاعل بالدرجة نفسها مع وسائل الإعلام التقليدية أو الحملات الرقمية، وهو ما يجعل العمل المجتمعي مكملًا للدور الإعلامي والتعليمي والديني، شرط أن يكون من يقدم هذه البرامج متخصصا علميا وعمليا في هذا الاتجاه، نظراً لحساسيته.
البعد الأمني
تتضاعف خطورة الشائعة عندما ترتبط بالأمن والسلامة والأحداث الكبرى، لأنها قد تخلق حالة من الخوف أو الارتباك، وتؤثر في سلوك الجمهور، وتضعف الثقة بالمصادر الرسمية إذا تكررت المعلومات المضللة، وفي مثل هذه الحالات تبرز أهمية الوعي بمسؤولية النشر، والامتناع عن تداول المعلومات غير المؤكدة، والاعتماد على المصادر الرسمية في القضايا التي تتعلق بالأمن والسلامة العامة، ولا يعني الوعي الأمني منع الناس من متابعة الأخبار، وإنما تعزيز قدرتهم على التعامل معها بصورة مسؤولة، خصوصًا عندما تكون المعلومة حساسة أو مجهولة المصدر أو قابلة لإحداث أثر واسع.
التوعية المستمرة طوال العام
مواجهة الشائعة لا ينبغي أن ترتبط بمناسبة أو أزمة محددة، لأن بيئة المعلومات تتغير بصورة مستمرة، والشائعات يمكن أن تظهر في أي وقت وفي أي موضوع، ولهذا فإن التوعية المستدامة مهمة، وتحتاج إلى منظومة دائمة تكرر المفاهيم الأساسية وتغير أساليب تقديمها، وباعتقادي، يمكن أن تعمل الجهات الأربع ضمن خطة سنوية تتوزع فيها الموضوعات على مراحل، فتتناول بعض البرامج الشائعات التي تستهدف الأفراد، وتتناول أخرى المقاطع والصور المضللة، بينما تركز برامج أخرى على الشائعات الأمنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ويجب أن تكون هذه التوعية متدرجة بحسب الفئات العمرية والاجتماعية، وأن تجمع بين الرسالة الإعلامية والتدريب العملي والموعظة الدينية والنشاط المجتمعي، كما أن قياس أثر التوعية يمثل عنصرًا مهمًا في نجاحها، من خلال استطلاعات الرأي وقياس مستوى المعرفة بالمصادر الرسمية ومتابعة تغير سلوك الجمهور في التعامل مع المحتوى المتداول، من خلال متخصصين في الجامعات، ليرصدوا الأثر والخلل.
تكامل الوزارات الأربع
تكمن قوة هذه المبادرة في تكامل الأدوار، فوزارة الإعلام تصل إلى الجمهور عبر المنصات الإعلامية، ووزارة التعليم تبني مهارة التحقق لدى الطلاب والطالبات وتأسيسي الوعي، ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد تعزز الجانب الديني والأخلاقي، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية تفعّل الجمعيات والمؤسسات الأهلية داخل المجتمع بمهنية وحرفية، وهذه الأدوار لا ينبغي أن تعمل منفصلة، بل ضمن رسالة وطنية واحدة ومفاهيم متقاربة، حتى يسمع المواطن الرسالة نفسها من الإعلام والمدرسة والمسجد والمجتمع، مع اختلاف طريقة تقديمها بحسب طبيعة كل جهة، والهدف ليس تخويف المجتمع من الأخبار أو دفعه إلى عدم الثقة بكل ما يقرأ، وإنما بناء وعي وتوازن يجعل الفرد أكثر وعيًا بالمعلومة، وأكثر قدرة على التمييز بين الخبر الموثوق والمحتوى المضلل، وأكثر حرصًا على حقوق الآخرين وسمعتهم، وتبقى الطريقة التي تقدم بها التوعية أساسية أن يكون من يقدمها خبراء ليبسطوها للمجتمع ويدرك أنها حاجة مجتمعية لا تقلق ولا تنشر الخوف بل الوعي.
ثقافة التحقق خط الدفاع الأول
إن أفضل وسيلة لمواجهة الشائعة هي بناء ثقافة اجتماعية تجعل التحقق عادة قبل المشاركة، فكل معلومة يتوقف صاحبها عند مصدرها قبل نشرها تفقد فرصة من فرص الانتشار، وكل شخص يمتنع عن تداول محتوى مجهول يقطع حلقة من حلقات الشائعة، ولهذا فإن المعالجة الفاعلة يجب أن تنتقل من رد الفعل إلى الوقاية، ومن مطاردة الشائعة بعد انتشارها إلى بناء مجتمع يمتلك مناعة معرفية وأخلاقية وإعلامية، وتحتاج هذه المهمة إلى استمرار حقيقي طوال العام، وإلى مشاركة فعلية من الوزارات الأربع وغيرها، وإلى حضور الأسرة والجمعيات والمؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية، لأن الشائعة لا تواجهها جهة واحدة، وإنما يواجهها مجتمع كامل عندما يمتلك أفراده الوعي والمسؤولية، وفي تقديري أن نجاح هذه الجهود سيظهر عندما يصبح التحقق من المعلومة سلوكًا طبيعيًا، وعندما يتوقف الفرد تلقائيًا عن إعادة إرسال المحتوى المجهول، وعندما يصبح الرجوع إلى المصدر الرسمي عادة راسخة في التعامل مع الأخبار الحساسة، فالشائعة قد تبدأ بكلمة أو صورة أو مقطع قصير، لكنها قد تنتهي بضرر كبير، ولذلك فإن حماية المجتمع منها تبدأ قبل انتشارها، ببناء إنسان يدرك قيمة المعلومة، ويحترم حقوق الآخرين، ويعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن ضغطة واحدة على زر الإرسال قد تكون بداية أثر لا يمكن استرجاعه، إن التوعية بمخاطر الشائعة ليست حملة مؤقتة، وإنما مشروع وطني مستدام، تتكامل فيه الرسالة الإعلامية مع التربية والتعليم، ويتعزز بالخطاب الديني، ويتوسع من خلال العمل المجتمعي، حتى تصبح ثقافة التحقق جزءًا من السلوك اليومي، ويصبح الوعي خط الدفاع الأول أمام الشائعة وآثارها النفسية والإنسانية والاجتماعية والأمنية.
أخيراً
التوعية ونشر المعرفة أمر مهم للغاية في وقت الرخاء والشدة، بل نحتاجه في وقت الشدة أكثر، كما أن الأهمية الأكبر أن يقدم هذه التوعية متخصصين من أجل أن تكون التوعية بجودة عالية ولا تفقد أهميتها، والمفترض أن تكون طوال العام وبطريقة مهنية.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام