جمال بن على بوحسن
يلاحظ العالم بأسره حجم المتغيرات المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم، ولا سيما منطقة الشرق الأوسط ومحيطنا الخليجي على وجه الخصوص، حيث تتلاحق الأحداث بصورة متسارعة ودراماتيكية، حتى بات من الصعب التنبؤ بما قد يحمله الغد من تطورات. فما إن ينتهي حدث حتى يبرز حدث آخر أكثر تعقيدًا وأشد تأثيرًا، وتتداخل المواقف والحسابات والمصالح، فيجد العالم نفسه أمام مشهد إقليمي ودولي بالغ التعقيد.
وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، تبرز المملكة العربية السعودية شامخة في موقفها، ثابتة في رؤيتها، راسخة في ثوابتها، كجبال طويق التي أصبحت رمزًا للصمود والعزيمة والإرادة. فهي لا تتعامل مع الأحداث بردود أفعال متسرعة، ولا تسمح للضغوط أو الاستفزازات بأن تدفعها إلى مواقف لا تخدم مصالحها العليا، وإنما تنطلق من رؤية سياسية واضحة، وحسابات دقيقة، وإدراك عميق لطبيعة المرحلة ومتطلباتها.
لقد تعرضت المملكة خلال السنوات الماضية لضغوط سياسية متعددة، واستفزازات ومحاولات متكررة لجرّها إلى مواجهات وصراعات مباشرة، إلا أن الرياض أثبتت في كل مرة أن ضبط النفس ليس ضعفًا، وأن التريث ليس ترددًا، وأن عدم الانجرار وراء الاستفزاز لا يعني التخلي عن الحقوق أو التنازل عن الثوابت.
بل إن العكس هو الصحيح؛ فالدولة الواثقة من قوتها ومكانتها لا تحتاج إلى الانفعال لإثبات حضورها، ولا إلى التصعيد المستمر لإظهار قدرتها. وإنما تقاس قوة الدول بقدرتها على إدارة الأزمات، وحسن تقدير المواقف، واختيار التوقيت المناسب، واتخاذ القرار عندما يصبح القرار ضرورة لا خيارًا.
سياسة تقوم على وضوح الرؤية
لقد أثبتت المملكة العربية السعودية، عبر عقود طويلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية والإقليمية، أن لديها مدرسة سياسية خاصة في إدارة الأزمات، تقوم على وضوح الرؤية، وفصل الملفات، وعدم الخلط بين الأزمات، والتعامل مع كل قضية وفق ظروفها وأسبابها ونتائجها.
فهي لا تتعامل مع الأزمات بمنطق رد الفعل، وإنما بمنطق الفعل المدروس، ولا تجعل من كل أزمة سببًا لأزمة أخرى، بل تسعى إلى احتواء التداعيات ومنع اتساع دائرة الصراع، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حقوقها ومصالحها وأمنها الوطني.
وهذا النهج هو الذي منح السياسة السعودية احترامها ومصداقيتها، ورسخ صورتها بوصفها سياسة دولة لا سياسة ردود أفعال؛ دولة تعرف متى تصمت، ومتى تتحدث، ومتى تفاوض، ومتى تتحرك، ومتى تستخدم أدوات القوة التي تملكها.
السعودية تقود ولا تُقاد
لقد أثبتت المملكة العربية السعودية أنها دولة تقود ولا تنقاد، وتصنع موقفها ولا تستعيره من الآخرين، وتضع مصالحها الوطنية وأمنها القومي في مقدمة أولوياتها، دون أن يعني ذلك إغفالها لمصالح أشقائها أو أمن المنطقة واستقرارها.
ومنذ تأسيس الدولة السعودية وحتى عهدها الحاضر، ظل المبدأ ثابتًا: احترام سيادة الدول، وعدم الاعتداء على الآخرين، وفي الوقت ذاته عدم السماح لأحد بالمساس بسيادة المملكة أو أمنها أو مصالحها.
وهذه المعادلة الدقيقة بين القوة والمسؤولية، وبين الحزم والحكمة، هي التي جعلت المملكة لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاوز دوره في قضايا المنطقة والعالم.
الاستفزازات لا تغيّر البوصلة
لقد شهدنا خلال السنوات الماضية اعتداءات متكررة استهدفت المملكة العربية السعودية، سواء من خلال الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أو استهداف المنشآت الحيوية، أو تهديد خطوط إمداد ونقل الطاقة، في محاولات واضحة لاستفزاز المملكة ودفعها إلى الانخراط في مواجهات مفتوحة تستنزف مقدرات المنطقة وتفتح أبوابًا جديدة للصراع.
كما أن التهديدات التي طالت أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب تؤكد أن الأمن الإقليمي لم يعد قضية منفصلة عن الأمن الدولي، فهذه الممرات البحرية ليست مجرد جغرافيا محلية، وإنما شرايين رئيسية للتجارة العالمية والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
ومن هنا تأتي أهمية الموقف السعودي الذي يتعامل مع هذه التحديات من منظور أوسع من مجرد الرد على حادثة هنا أو اعتداء هناك؛ فهو ينظر إلى الصورة الكاملة، وإلى تداعيات أي قرار على الأمن الوطني والخليجي والعربي والدولي.
النفس الطويل.. قوة لا يدركها الجميع
ربما لا يدرك البعض أن ما يسمى بسياسة “النفس الطويل” ليست انتظارًا سلبيًا، وإنما هي في جوهرها أداة من أدوات القوة السياسية.
فالدولة التي تستطيع أن تتحمل الاستفزاز، وتمنح الوسائل السياسية والدبلوماسية فرصتها، وتراقب تطورات الأحداث، وتجمع المعلومات، وتدرس الخيارات، ثم تتخذ قرارها في اللحظة التي تراها مناسبة، هي دولة تمارس السياسة باقتدار.
وهذا ما يفسر كثيرًا من المواقف السعودية التي بدت لبعض المتابعين هادئة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها كانت تحمل قدرًا كبيرًا من الحسابات الاستراتيجية.
فليس كل رد يجب أن يكون فوريًا، وليس كل استفزاز يستحق الانجرار إليه، وليس كل معركة تُخاض بالطريقة نفسها.
الحق في الدفاع عن النفس
وفي الوقت ذاته، فإن سياسة ضبط النفس لا تعني بأي حال من الأحوال التخلي عن الحق المشروع في الدفاع عن النفس وحماية المواطنين والأراضي والمصالح الوطنية.
فالمملكة، كأي دولة ذات سيادة، تحتفظ بحقها المشروع في حماية أمنها والدفاع عن أراضيها ومصالحها، واتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات وفق القانون والمواثيق الدولية، وبما يحقق أمنها واستقرارها ويحفظ في الوقت نفسه حقوق الآخرين.
وهنا تكمن قوة الموقف السعودي: لا اعتداء، ولا تهور، ولا تنازل عن الحق.
إنها معادلة تجمع بين الحكمة والحزم، وبين السعي إلى الحلول السياسية والاستعداد الكامل لحماية الأمن الوطني عندما تفرض الظروف ذلك.
القيادة السعودية.. القرار في الوقت المناسب
إن المتأمل في مسيرة المملكة العربية السعودية يدرك أن القيادة السعودية لم تبنِ مواقفها على ردود الفعل الآنية، وإنما على رؤية بعيدة المدى للمصالح الوطنية والإقليمية.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، أصبحت المملكة أكثر حضورًا وتأثيرًا في المشهدين الإقليمي والدولي، مع الحفاظ على نهج يقوم على حماية المصالح الوطنية، وتعزيز الأمن والاستقرار، وبناء الشراكات، وعدم السماح للأزمات بأن تفرض على المملكة خياراتها.
فالقرار السياسي الناجح لا يقاس بسرعة صدوره، وإنما بمدى صواب توقيته، ودقة حساباته، وقدرته على تحقيق الهدف بأقل قدر ممكن من الخسائر والتداعيات.
وفي منطقة شديدة الحساسية، لا تحتمل الخطأ ولا المغامرة، تصبح دقة القرار مسألة أمن قومي، ويصبح التريث في بعض الأحيان أكثر قوة من الاندفاع.
السعودية.. صخرة في وجه العواصف
إن ما تمر به المنطقة اليوم من أحداث متلاحقة يضع جميع دولها أمام اختبارات صعبة، غير أن المملكة العربية السعودية أثبتت أنها قادرة على الوقوف بثبات أمام هذه العواصف، دون أن تفقد بوصلتها أو تسمح للأحداث بأن تعيد رسم أولوياتها.
فهي تدرك أن موقعها ومكانتها ومسؤولياتها تتجاوز حدودها الجغرافية؛ فالمملكة دولة محورية في الخليج والعالم العربي والعالم الإسلامي، وأي قرار تتخذه يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدودها.
ولهذا فإن المسؤولية تفرض عليها أن تكون حاضرة، ولكن بحساب، وأن تكون قوية، ولكن بحكمة، وأن تكون حازمة، ولكن دون تهور.
وهذه ليست معادلة سهلة، لكنها المعادلة التي نجحت المملكة في الحفاظ عليها عبر مراحل وأزمات عديدة.
ثبات الموقف السعودي
في زمن تتغير فيه المواقف بسرعة، وتتحول فيه التحالفات والحسابات السياسية، وتتشابك فيه الأزمات بصورة غير مسبوقة، يبقى ثبات الموقف السعودي رسالة واضحة مفادها أن المملكة لا تتحرك وفق ضغوط الآخرين، ولا تسمح للأحداث بأن تفرض عليها مسارًا لا يتوافق مع مصالحها وثوابتها.
إن ثبات المملكة لا يعني أنها لا تتغير، بل يعني أنها تتغير وفق مقتضيات المرحلة دون أن تتخلى عن ثوابتها؛ تطور أدواتها، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتفتح أبواب الحوار، وتعزز علاقاتها وشراكاتها، لكنها في النهاية تعرف جيدًا أين تقف وإلى أين تريد أن تصل.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات السياسة السعودية: القدرة على الجمع بين الثبات والمرونة، وبين القوة والحكمة، وبين الحزم وضبط النفس.
لقد أثبتت المملكة العربية السعودية أنها لا تبحث عن الصدام من أجل الصدام، ولا عن التصعيد من أجل استعراض القوة، وإنما عن حماية أمنها ومصالحها وتحقيق الاستقرار، وأنها حين تختار التهدئة فإنها تختارها من موقع القوة، وحين تختار الحزم فإنها تمارسه من موقع المسؤولية.
وفي عالم يموج بالأزمات، تبقى المملكة العربية السعودية، بقيادتها وشعبها ومؤسساتها، أمام اختبار مستمر للقدرة على إدارة المرحلة وصناعة المستقبل.
ولذلك فإن الموقف السعودي اليوم ليس مجرد موقف سياسي عابر أمام حدث من الأحداث، وإنما هو امتداد لنهج راسخ في إدارة الدولة والأزمات، نهج يؤمن بأن الدول الكبرى لا تُقاس بكثرة ردود أفعالها، وإنما بقدرتها على حسن إدارة قوتها، وصيانة مصالحها، واختيار معاركها، ومعرفة متى تتحرك ومتى تنتظر.
نعم، إن الموقف السعودي ثباتٌ راسخ في زمن التحديات والمتغيرات؛ ثبات لا يعني الجمود، وحزم لا يعني التهور، وحكمة لا تعني الضعف.
إنها المملكة العربية السعودية.. دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تحمي ما تريد، وتعرف متى تقول كلمتها، ومتى يكون الصمت في حد ذاته موقفًا.
** **
نائب سابق بمجلس النواب مملكة البحرين - الأمين العام للمبادرة البرلمانية العربية