صالح الشادي
لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من جيش وعدة، بل بما تملكه من حكمة في توقيت استخدام القوة، وقدرة على الموازنة بين الردع والرحمة. في مواجهة الميليشيا الحوثية، تمتلك السعودية من القوة والرجال والقدرات ما يمكنها من ردع الميليشيا خلال أيام، بل إنهاء وجودها العسكري في المنطقة. لكنها لا تتحرك بمنطق القوة وحدها؛ فهناك حسابات إنسانية لآثار أي ضربة واسعة، ونساء وأطفال وممتلكات وفئات مسالمة قد تدفع الثمن. وهناك أخلاق إسلامية وسجايا عربية أصيلة تمنع القوة المفرطة، وهناك صبر وحلم ليسا ضعفاً، بل هما شيمة القوي. وهناك احترام للمواثيق والأعراف الدولية، وفتح الباب للحوار والسياسة والعقل. هذا هو الإطار الذي يحكم الموقف السعودي، لا العجز ولا التردد.
لكن الصبر ليس بلا حد. فالميليشيا الحوثية تواصل تصعيدها، وتستهدف المدنيين والبنية التحتية والاقتصاد في جنوب السعودية، وقد أوقعت إصابات بين المدنيين بينهم نساء وأطفال. هذا الاستهداف يضع الرياض أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في ضبط النفس حفاظاً على القيم الإنسانية، أو الانتقال إلى إجراءات أكثر حسماً لحماية أمنها ومصالحها. وقد حذرت السعودية مراراً من أن استمرار هذه الهجمات قد يدفعها إلى خيارات أقسى. وهنا يبدو السؤال: إلى متى يمكن أن يستمر الصبر؟
المشكلة الحقيقية في الحوثي ليست عسكرية فقط. فهذا الكيان البشري تعرض على مدى سنوات طويلة لغسل دماغ وأدلجة ممنهجة، وتربى على عقيدة ومفهوم مغلوط، وتحول من حركة محلية إلى أداة طائفية معبأة بأفكار قتالية. الأطفال، وهم وقود هذه الحرب، يتعرضون لعمليات إعادة تشكيل فكري تبدأ بمحاضرات طائفية وتنتهي بتدريبات عسكرية على الموت. وهكذا يتحول الجيل الجديد إلى امتداد لمشروع العنف، لا إلى قوة بناء وطن. وهذا يجعل الحل السياسي مع قيادات لا تريد السلام إلا كمرحلة لالتقاط الأنفاس أكثر تعقيداً.
وراء هذا المشروع يقف النظام الإيراني، لا الشعب الإيراني. فطهران هي التي صنعت الأذرع، ومدت الحوثيين بالأسلحة المتطورة، من طائرات مسيرة وصواريخ باليستية وخبراء، عبر وسائل تهريب معروفة. وهي تفعل ذلك لاستخدام اليمن وباب المندب ورقة ضغط في صراعها الإقليمي والدولي. هذا النظام لا يخدم الشعب الإيراني الذي تجمعه بالعرب روابط تاريخية وثقافية عميقة، بل يطرح أجندة توسعية تعبر عن حقد غير معلن، وتوظف الدين كأداة جذب للعامة، وتستثمر في الانقسامات الطائفية لتصدير ثورتها كما فعلت إلى العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن. وقد استفحل حضور هذا النظام في دول عربية عدة، ولا يزال يبحث عن موطئ قدم في دول أخرى، بدءاً من السياحة الدينية، ثم تعزيز المذهب، ثم الأدلجة، ثم الدعم العاطفي والعسكري.
لقد نجح النظام الإيراني في صناعة بعض الأذرع، لكن هذا النجاح يظل مؤقتاً. فالعقل العربي استوعب أبعاده ومخاطره، وأدرك أن هذه الأذرع ليست قوى وطنية مستقلة، بل أدوات لخدمة مشروع خارجي. لكن المشكلة أن دولاً كبرى لا تنظر إلى الأمر بمنظور العقل والإنسانية، بل تبحث عن مصلحتها المباشرة أو غير المباشرة من وجود هذا النظام، وقد تحمي بقاءه من التلاشي أو التبديل، على الأقل في هذه المرحلة. العالم يتجه إلى صراع المصالح والاستئثار بالقوة الاقتصادية والعسكرية، والسياسة فيه تلعب دوراً مخيفاً: عدو الأمس يصبح صديق اليوم، والعكس. وفي هذا السياق، لا تغيب إسرائيل عن المشهد؛ فهي تعمل في العلن والخفاء، وتحاول تحريك أصابع الشطرنج وفق غاياتها البعيدة، مستندة إلى إرث ديني محرف لم يأت به موسى.
وسط هذا الصراع، تبقى المملكة العربية السعودية كالسد المنيع أمام ما يحاك، مستعينة بالحكمة والسياسة العميقة والإنسانية. لكن هذا الموقف قد لا يستمر إلى ما لا نهاية، فالصبر له حد، والقوة التي تحتفظ بها الرياض ليست للاستعراض، بل للدفاع عن أمنها ووجودها ومصالح شعبها. لذا، على الأشقاء في اليمن أن يدركوا هذه النقطة قبل أن ينطفئ الحلم. فالفرصة ما زالت قائمة لاستعادة الدولة اليمنية من قبضة المشروع الطائفي، وإخراج اليمن من دائرة الاستنزاف، وبناء سلام يحفظ لليمن أرضه وسيادته، ويحفظ للمنطقة أمنها واستقرارها. أما إذا استمر الجميع في المراهنة على صبر السعودية، فإن اللحظة الحاسمة قد تأتي، وعندها لن يكون الحديث عن ردع محدود، بل عن نهاية مشروع كامل.