ناصر بن فريوان الشراري
تبدو الصورة الراهنة في الشرق الأوسط أقرب إلى مسرحية سياسية شديدة الغموض، تُرسَم فصولها في العلن بالحديد والنار، بينما تُدار خيوطها الحقيقية خلف ستائر المصالح وصفقات الكواليس، فحين اندلعت الحرب، رُفعت شعارات كبرى ووُضعت أهداف بدت مباشرة وحاسمة: تجريد طهران من برنامجها النووي، وتفكيك منظومة صواريخها الباليستية وطائراتها المسيّرة، وإنهاء تهديد الملاحة الدولية، وصولًا إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية والأمنية في المنطقة.
لكننا اليوم، وبعد استهداف رأس الهرم الإيراني وضرب الصفين الأول والثاني من القيادات العسكرية والسياسية، نقف أمام مفارقة ميدانية وسياسية يصعب تجاهلها، فالنتائج الظاهرة لا تبدو بعيدة عن الأهداف المعلنة فحسب، بل تبدو في جوانب أساسية منها معاكسة تمامًا لما قيل إن الحرب شُنّت من أجله.
ممرات مخنوقة بدلًا من ملاحة آمنة
قبل اندلاع الصراع، كان مضيق هرمز، على حساسيته الدائمة، ممرًا مفتوحًا تتدفق عبره إمدادات النفط والتجارة العالمية، أما اليوم فتعيش الملاحة فيه حالة من الشلل والتوتر غير المسبوق، فيما تتصاعد المخاوف من تحوّل الممرات البحرية إلى ساحات ابتزاز سياسي وعسكري واقتصادي.
وإذا كان أحد الأهداف الرئيسية للحرب هو تأمين حرية الملاحة، فكيف انتهت المواجهة إلى واقع أصبحت فيه حركة السفن أكثر اضطرابًا، وكلفة التأمين والشحن أكثر ارتفاعًا، وأمن الطاقة العالمي أكثر هشاشة؟
تمدد الأذرع واتساع دائرة الخطر
كان المفترض أن تقود الحرب إلى تطويق النفوذ الإيراني وتجفيف قدرة أذرعه الإقليمية على الحركة، غير أن المشهد الميداني يكشف عن اتجاه مختلف، إذ نشهد صمتًا أمريكيًا لافتًا تجاه تحركات خطرة في مناطق استراتيجية، وفي مقدمتها النشاط الحوثي المتصاعد قرب المخا وباب المندب.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بقدرة هذه الجماعات على الإرباك وحدها، بل بمدى جدية واشنطن في منع إعادة تشكيل النفوذ الإيراني داخل أهم الممرات المائية في العالم، فكيف يمكن الحديث عن تقليص الخطر، بينما تعود الأذرع ذاتها إلى تثبيت حضورها قرب شرايين التجارة والطاقة الدولية؟
انكفاء اقتصادي بدلًا من الحسم الموعود
بعد كل الخطاب الذي سبق الحرب ورافق بدايتها، انتهت الاستراتيجية الأمريكية، في صورتها المعلنة حتى الآن، إلى حصار بحري ضاغط، وتشديد اقتصادي، وإدارة حذرة لخطوط الشحن والإمداد، وهكذا تقلّصت الأهداف الكبرى، من تفكيك منظومات التهديد وإعادة رسم موازين القوة، إلى محاولة احتواء الضرر ومنع الانفجار الشامل.
ليس الضغط الاقتصادي أداة هامشية، ولا ينبغي التقليل من أثره، لكنه يظل مختلفًا جذريًا عن الحسم العسكري والسياسي الذي وُعدت به المنطقة، وبين الوعد والنتيجة تتسع فجوة مقلقة، فجوة تفرض سؤالًا مباشرًا: هل تغيّرت الأهداف لأن الظروف فرضت ذلك، أم أن الأهداف المعلنة لم تكن يومًا سوى غطاء لصفقة أكبر؟
السيناريو الأول: انكشاف حدود القوة الأمريكية
يفترض هذا السيناريو أن واشنطن دخلت مواجهة لم تحسب جميع تفاصيلها، ثم اكتشفت أن كلفة الحسم الشامل تفوق قدرتها أو استعدادها السياسي، فالتدخل الميداني المباشر قد يستنزف الجيش، ويضغط على الاقتصاد العالمي، ويرفع أسعار الطاقة، ويضع الإدارة الأمريكية أمام ناخب لا يرغب في حرب طويلة ومفتوحة.
وفق هذا الاحتمال، تكون الولايات المتحدة قد اضطرت إلى التراجع خطوة إلى الخلف، مكتفية بالحصار البحري والضغط الاقتصادي وتأمين الحدود الدنيا من تدفق الإمدادات، وإذا صح ذلك، فإن ما نشهده لا يمثّل مناورة تكتيكية عابرة، بل مراجعة قاسية لمفهوم الردع الأمريكي نفسه، إذ لم تعد القوة الكبرى قادرة، أو راغبة، في تحويل تفوقها العسكري إلى نتائج سياسية حاسمة.
وهنا تصبح المسألة أكبر من إيران وحدها، فكل حليف لواشنطن، وكل خصم لها، سيعيد قراءة حدود الالتزام الأمريكي، وسيسأل عن قيمة الضمانات حين ترتفع الكلفة ويطول أمد المواجهة.
السيناريو الثاني: «الصفقة المبتورة» وطبخة الكواليس
أما السيناريو الأكثر إثارة للقلق، فيفترض أن الصمت الأمريكي ليس عجزًا، بل تمهيد لتفاهم غير معلن يجري ترتيبه مع ما يمكن وصفه بـ«الحرس الجديد» في طهران، تفاهم تُباع فيه أوراق النفوذ وتُشترى، وتتحول الممرات المائية، من هرمز إلى باب المندب، إلى بنود تفاوضية في صفقة تضمن مصالح القوى الكبرى، بينما تُترك دول الإقليم لتدفع وحدها فاتورة الترتيبات الغامضة.
قد يكون المطلوب، وفق هذا التصور، ليس إنهاء النفوذ الإيراني، بل إعادة تنظيمه وضبط حدوده. وقد لا يكون الهدف تفكيك الأذرع، بل إخضاعها لقواعد اشتباك جديدة تضمن ألا تتجاوز الخطوط التي تمس المصالح الدولية الكبرى، أما أمن المنطقة واستقرار دولها، فقد يتحولان إلى تفصيل ثانوي ما دامت حركة الطاقة والتجارة باقية ضمن سقف يمكن التحكم فيه.
وإذا كانت هناك صفقة من هذا النوع، فهي صفقة مبتورة، لأنها تعالج مصالح الكبار ولا تعالج جذور الأزمة، وتضبط الإيقاع مؤقتًا من دون أن تنزع فتيل الانفجار، إنها لا تبني سلامًا بقدر ما تعيد توزيع الخطر، ولا تنهي الفوضى بقدر ما تمنحها قواعد جديدة للعمل.
بين الانكسار والصفقة
السكوت الأمريكي عن استعادة الأذرع الإقليمية لنشاطها قرب الممرات المائية الحيوية ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه، فهو يضع علامات استفهام كبرى حول مدى الجدية في حماية أمن المنطقة، وحول حقيقة الأهداف التي خيضت الحرب تحت عناوينها.
هل نعيش لحظة انكشاف لحدود القوة الأمريكية وتراجع قدرتها على الردع والحسم؟ أم أننا أمام فصل جديد من فصول التفاهمات تحت الطاولة، حيث تُقسَّم الأدوار من جديد، وتُمنح الضمانات في الغرف المغلقة، ثم يُطلب من شعوب المنطقة أن تتعايش مع النتائج؟
حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية، لكن المؤكد أن الفجوة بين الشعارات المعلنة والوقائع الميدانية أصبحت أوسع من أن تُخفى، وأن الصمت لم يعد موقفًا محايدًا، بل صار جزءًا من المشهد ودليلًا سياسيًا يحتاج إلى تفسير.
إنها تساؤلات مشروعة في مشهد مريب: فإما أن الهيبة الأمريكية قد أصابها شرخ حقيقي، وإما أن صفقة ما تُطبخ بعيدًا عن العيون، وفي الحالتين، يبدو أن الإقليم هو الأكثر تأثرًا بنتائج الحرب ومسارات التسوية، بما يؤكد الحاجة إلى حضور إقليمي أكثر فاعلية في صياغة الترتيبات المقبلة وحماية مصالح دوله.