ثامر الشهراني
فمن خان من؟: السؤال ليس عن الحوثي وحده، بل عن منظومة كاملة سمحت له بترك مواقعه الجبلية والتقدم نحو الساحل الغربي، حيث الأرض المفتوحة التي يفترض أن تكون أكثر انكشافًا وأسهل استهدافًا.
المفارقة أن الحوثي ترك بيئة تحميه إلى ساحل مكشوف يفترض أن يكون أكثر خطورة عليه. ومع ذلك لم يجد أمامه تنسيقًا يحوّل انكشافه إلى نقطة ضعف، بل وجد جبهات متباعدة وفراغات يمكن استغلالها.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية
فتقدم الحوثي في المعارك الداخلية لا يمثل مكسبًا استراتيجيًا حاسمًا ما لم يغيّر موازين الحرب. لكن الاقتراب من باب المندب يغيّر المعادلة؛ فهنا لا تعود المعركة يمنية فقط، بل تمس أحد أهم ممرات الملاحة الدولية.
ولهذا يصعب النظر إلى التحرك الحوثي في الساحل باعتباره قرارًا ميدانيًا منفصلًا عن الحسابات الإيرانية. فإدخال باب المندب في خضم الأزمة الإقليمية يخدم طهران أكثر مما يخدم الحوثي نفسه، ويمنحها ورقة ضغط جديدة على البحر الأحمر والملاحة الدولية.
والحوثي، بحكم ارتباطه السياسي والعسكري بطهران، لا يتحرك في القضايا الإقليمية الكبرى بمعزل عن حساباتها. وعندما تتسع المعركة من الداخل اليمني إلى الممرات البحرية الدولية، يصبح السؤال أكبر من: إلى أين تقدم الحوثي؟ ليصبح: من الذي دفعه إلى هذا الاتجاه؟
وهنا يعود السؤال: فمن خان من؟
هل خانت الجغرافيا الحوثي عندما خرج من الجبال؟ أم خانت الحسابات خصومه عندما تركت له الساحل؟ وهل كان التقدم نتيجة قوة حوثية استثنائية، أم نتيجة ضعف في التنسيق بين القوى التي يفترض أنها تقف في جبهة واحدة؟
الخلل الأوضح يبدو في الفصل بين جبهات تعز والساحل الغربي. فلا يمكن لقيادات تعز وطارق صالح إدارة معركة بهذا الحجم بعقلية الجبهتين المنفصلتين. الحوثي لا يقاتل بهذه الطريقة؛ فهو يبحث عن نقطة الانفصال، ثم يدخل منها.
المشكلة ليست في تعدد القوى
بل في تعدد القرارات
وهنا تتحمل الشرعية مسؤوليتها. فالدولة التي لا توحّد قرارها العسكري والسياسي تترك خصمها يختار توقيت المعركة ومكانها. والشرعية مطالبة بأن تثبت قدرتها على إدارة المعسكر المناهض للحوثي، لا أن تكتفي بتمثيله سياسيًا.
لكن هل يمكن تحميل
الشرعية وحدها المسؤولية؟
هنا يظهر التناقض الدولي. المجتمع الدولي يطالب الشرعية بالقيام بواجباتها، وحماية الدولة، ومواجهة التهديدات التي تمس أمن اليمن والمنطقة والملاحة الدولية، لكنه يتردد في منحها الأدوات التي تمكنها من القيام بهذه الواجبات.
يريد المجتمع الدولي نتائج دولة، لكنه لا يمنح الشرعية دائمًا أدوات الدولة. يريد حماية باب المندب، لكنه يتعامل مع تمكين الشرعية من السيطرة على الأرض وكأنه شأن يمني داخلي.
فمن خان من؟
الحوثي استغل الفراغ، لكن من ترك الفراغ؟ تعز والساحل لم ينسقا بما يكفي، لكن من أبقى القرار موزعًا؟ الشرعية مطالبة بتحمل مسؤولياتها، لكن أين الدعم الذي يمكنها من فرض قرارها؟ والمجتمع الدولي يريد أمن الملاحة، لكنه لا يريد أن يدفع كامل كلفة حماية هذا الأمن.
لهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في عدد الكيلومترات التي تقدم فيها الحوثي، وإنما في القيمة الاستراتيجية للمكان الذي وصل إليه. فحتى لو كان وجوده هناك مؤقتًا، فإن مجرد القدرة على تهديد باب المندب تمنحه ورقة تتجاوز حدود اليمن، وتمنح طهران مساحة إضافية لاستخدام الأزمة الإقليمية في الضغط على الملاحة الدولية.
وهذه هي النكسة الحقيقية: أن يتحول انكشاف الحوثي المفترض إلى فرصة له، وأن يتحول تشتت خصومه إلى مكسب، وأن تصبح الجغرافيا التي كان يمكن أن تكون فخًا للحوثي بوابة إلى الملاحة الدولية.
فمن خان من؟
ربما لم تكن هناك خيانة بالمعنى المباشر، لكن الأخطر هو حسابات متفرقة وقرارات متباعدة وجبهة لا تعمل كجبهة واحدة. والخصم لا يحتاج إلى هزيمة الجميع؛ يكفيه أن يجد ثغرة.
وعليه، فإن نكسة الساحل الغربي ليست انتصارًا حوثيًا بقدر ما هي إنذار للشرعية والقوى المناوئة للحوثي. فالمعركة ليست على الساحل وحده، ولا على موقع هنا أو مدينة هناك، بل على من يملك القدرة على إدارة الجغرافيا اليمنية وحماية باب المندب. ومن يريد من الشرعية أن تقوم بواجبها، فعليه أن يساعدها على امتلاك القرار والأدوات، وإلا فإن من يترك الفراغ للحوثي لا ينبغي أن يتفاجأ عندما يجد الحوثي طريقه إلى البحر.