د. حمود بن فلاح العتيبي
اتخذت الأمم المتحدة يوم 21 سبتمبر يومًا عالميًا للاحتفال بالسلام، وهو أمر محمود، غير أن الإسلام سبق كل المنظمات والدول في الدعوة إلى السلم، وجعله نهجًا عمليًا في حياة الفرد والمجتمع. فالإسلام دين الأمن والإخاء، ودين عمارة الأرض بالعدل والبناء، وعمارة القلوب بالرضا والشكر. جاء حريصًا على صون الحقوق، وردع الظلم، ومنع العدوان والإفساد، وحرّم كل ضرر بالإنسان أو الحيوان أو البيئة، من أجل أن تعيش البشرية في وئام، يعمّه العدل، ويشيع فيه الفضل بين العباد.
وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته كلها داعيًا إلى السلام في أقواله وأفعاله، وحاثًّا المسلمين عليه بشتى الوسائل، باعتباره في شريعتنا مبدأً وغاية. فالسلام شعار المسلم مع نفسه ومع غيره، حتى في صلاته يجعل السلام ختام مناجاته. والسلام هو شعار الأنبياء جميعًا، واسم من أسماء الله الحسنى، ومن تحلّى به عاش بسلام في الدنيا، وتهيأ له دار السلام في الآخرة، حيث الأمن والطمأنينة وراحة البال.
ويمتد السلام من الفرد إلى المجتمع، فيتأسس على المودة والرحمة والتعاون، وتجنّب الخلافات والصراعات التي تهدد الاستقرار. وقد حث الإسلام على صلة الرحم، والود بين الإخوان، وعمارة الأسرة على أساس السكن والمودة، لتكون خلية آمنة تنعكس آثارها على المجتمع. وعندما يعيش الفرد في سلام داخلي ومع محيطه، يتماسك المجتمع، وتتعزز أركان التضامن والتكافل، ليصبح عنصرًا فاعلًا في تحقيق السلام العالمي، كما أراده الإسلام، الذي اعتبر الإنسانية أسرة واحدة، والمؤمنين أمة واحدة.
ورسالة الإسلام هي رسالة رحمة وسلام لكل البشر، لا تبدأ بالعدوان، ولا تقوم على الظلم أو الاعتداء. ويتضح ذلك في أن السلام في الإسلام ليس وحده مبدأً اجتماعيًا، بل عقيدة وتجسيد لمقاصد الشريعة في حفظ النفس والكرامة والحقوق، وهو تحية المؤمنين ورسالة أمان بين الناس، فلا عدوان إلا لرد الظلم أو رفع العدوان.
لكن واقعنا المعاصر يكشف فجوة كبيرة بين المبادئ والشعارات العالمية، فالقضية الفلسطينية، وحق أهلها الثابت الذي لا ينتزعه عدوان ولا تلغيه تهديدات، والتي امتدت لعقود طويلة، تمثل المثال الأوضح لغياب العدالة، حيث يُحرم شعب من أرضه وكرامته، وتُغتصب حقوقه على مرأى ومسمع العالم. ومع ذلك، تقف المنظمات والهيئات الدولية موقف العاجز أو المتواطئ، مكتفية ببيانات الشجب والإدانة، دون أن تضع حدًا لمعاناة ملايين البشر. ونصرة الفلسطينيين ليست موقفًا سياسيًا فحسب، بل امتداد طبيعي لرسالة الإسلام في رفض الظلم والدعوة إلى السلام القائم على الحق والعدل.
وفي السودان، نشهد مأساة إنسانية كبرى، حيث تحولت الصراعات المسلحة إلى كارثة أودت بحياة الآلاف وشرّدت الملايين، فتمزق النسيج الاجتماعي، وتوقفت مسيرة التنمية والبناء. والإسلام يقف ضد هذه المآسي، داعيًا إلى إصلاح ذات البين، وحقن الدماء، وجمع الكلمة، غير أن المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية ما زالت عاجزة عن فرض حلول عادلة تعيد الأمن والاستقرار.
ولا يقتصر مشهد الألم في عالمنا على فلسطين والسودان، بل تمتد معاناة الشعوب إلى مناطق أخرى، ومن ذلك ما يحدث في اليمن من مآسٍ بسبب ممارسات الميليشيات الحوثية، وما ارتكبته من قتل وتعدٍّ واعتداءات وتهديد لأمن المدنيين واستقرار المنطقة. فهذه الممارسات لا تنسجم مع مبادئ السلام التي تنادي بها المجتمعات والمنظمات الدولية، ولا مع القيم الإنسانية التي تصون حق الإنسان في الحياة والأمن والكرامة. إن إراقة الدماء، والاعتداء على الأبرياء، وتهديد أمن المجتمعات، وإطالة أمد الصراع، كلها صور مناقضة للسلام الحقيقي الذي يقوم على احترام الإنسان ورفع الظلم وتحقيق العدالة.
إن السلام الذي ينشده البشر ليس شعارًا يُرفع فحسب، بل مشروع حياة يقوم على العدل وصون الكرامة الإنسانية، وهو السلام الذي تفتقده قضايا عالمنا اليوم، من فلسطين إلى السودان واليمن، انتظارًا لإرادة صادقة تتجاوز البيانات والشعارات إلى مواقف فاعلة تعيد للإنسان حقه في حياة آمنة كريمة، وتضع حدًا للقتل والعدوان، وتفتح الطريق أمام عالم يسوده الأمن والاستقرار والسلام.