أبوبكر الموسى
تناولتُ في مقال سابق بعنوان «بين التراجع والمناورة.. أين تقف طهران؟» قراءةً للسلوك الإيراني بعد مذكرة التفاهم مع واشنطن، وناقشت فيه أن الانخراط الدبلوماسي الإيراني في تلك اللحظة لا يلغي مساراً ميدانياً موازياً، يواصل تثبيت أدوات يُفترض أن تكون جزءاً أصيلاً من عملية الحوار والتفاوض. وما حصل على الساحل الغربي لليمن خلال الأيام الماضية يأتي ضمن الإطار نفسه، فاستيلاء ميليشيا الحوثي على ميناء المخا وجزيرة بريم وجزيرتي حنيش وزقر منح إيران ذراعاً مباشرة على مضيق باب المندب، يضاف إلى تهديدها القائم في مضيق هرمز، وقد أشارت رويترز، نقلاً عن مصادر حكومية يمنية وإقليمية، إلى أن عناصر من الحرس الثوري الإيراني شاركت في هذا الهجوم الساحلي بشكل مباشر.
يحمل توقيت هذا التمدد دلالة تستحق التوقف، فهو يقع في الأسابيع الحاسمة السابقة على الانتخابات النصفية الأمريكية، وهي المرحلة التي رجّحت القراءة السابقة أن تشكّل هامش مناورة لطهران قبل استئناف أي مسار تفاوضي جاد مع إدارة ترمب، والسيطرة بالوكالة على ممر بحري بهذا الوزن تمثل محاولة جديدة من طهران لفرض ورقة مساومة إضافية على الطاولة، بصرف النظر عن مآلات المفاوضات ذاتها ونتائجها في حال عُقدت أو أُجّلت.
اللافت في هذا التطور الميداني كان في تفاوت التعاطي الدولي معه، فحين تصاعدت التوترات عند هرمز، تعاطى العالم مع الأمر بما يناسب حجم الأزمة، فتحركت بيانات القلق من عواصم متعددة، وتحرك التأمين البحري عالمياً خلال ساعات، أما حين تكررت الممارسة ذاتها عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، فقد تم اختزال المشهد في صورة تطورات ميدانية في اليمن، وكأن المضيقين يخضعان لمنطقين مختلفين، بينما نسبة التجارة العالمية العابرة من كل منهما متقاربة، والتهديد الذي يطالهما ينتمي إلى المصدر ذاته.
وخلف هذا التفاوت في التعاطي تقف رسالة سياسية واستراتيجية واحدة في الحالتين، تتمثل في تحويل الممرات المائية الدولية إلى أداة ضغط ومساومة، وهو سلوك يمس القواعد المنظِّمة للتجارة الدولية بمجملها، ويتجاوز أثره مصالح طرف بعينه، ووجود كيانات غير مدنية لا تخضع لآليات المساءلة الدولية ولا تلتزم بمواثيق الملاحة البحرية وتسيطر على ممرات تعبر منها نسبة مؤثرة من تجارة العالم وطاقته يشكل مسؤولية جماعية بحكم التعريف تقتضي معالجة هيكلية.
وتتجاوز أبعاد هذا التصعيد الاستراتيجي حدود اليمن الجغرافية، فوجود جماعة مسلحة على مدخل البحر الأحمر يمنحها قدرة على تهديد الملاحة، ويفتح مجالاً أوسع للتنسيق مع جماعات مسلحة في الصومال والقرن الأفريقي ترتبط بالشبكة الإقليمية ذاتها، بما يوسّع نطاق الخطر إلى ضفتي الممر معاً، وهذا الامتداد يتقاطع مع مشهد إقليمي تتشابك فيه بؤر التوتر من لبنان إلى العراق، في تداخل يجعل معالجة كل بؤرة بمعزل عن الأخرى مقاربة قاصرة عن تحقيق حل جذري، لا تصمد أمام واقع سلوك الوكالة الإقليمية، وهو ما يفرض تعاوناً دولياً يوازن بين مواجهة هذا التمدد، وإسناد استحقاق إعادة مأسسة القوات الحكومية اليمنية وتأهيلها لتثبيت أمن الملاحة والتجارة العالمية.
وقد قامت المملكة العربية السعودية، على مدى سنوات، بمهام مباشرة لحفظ أمن الملاحة والتجارة الدولية في هذا الممر، عبر الإسناد العسكري والدعم الإنساني والمبادرات السياسية المتعاقبة، اضطلاعاً بعبء ذي طبيعة جماعية، وموقف الرياض من هذه الأذرع الإقليمية لم يكن يوماً انعكاساً لحسابات إقليمية ضيقة، فقد كان استشرافاً مبكراً لخطر يهدد مصالح التجارة الدولية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد على نطاق عالمي، أثبتت الوقائع اللاحقة دقة تقديره. وما لم يتحرك المجتمع الدولي لتحمّل هذا الملف بتكلفته الحقيقية، فإن التداعيات ستتجاوز حدود المنطقة؛ من اضطراب أسواق الطاقة حال تحول باب المندب إلى نقطة استنزاف دائم، إلى احتمال استنساخ التجربة في نقاط اختناق بحرية أخرى حول العالم، وصولاً إلى تآكل تدريجي في مصداقية القانون الدولي حين يثبت أن السيطرة الميدانية تكفي لتعطيل الملاحة الدولية دون تكلفة تُذكر
وختاماً، فإن مواجهة هذا التحدي تتطلب تضافراً إقليمياً ودولياً يرفد الجهود اليمنية لإنجاز مهمة الاستقرار، والمملكة بعد أن قدمت الإنذار المبكر وحملت العبء الأكبر، ستظل متمسكة برؤيتها الداعية إلى مسار سياسي شامل يستوعب مكونات المجتمع اليمني كافة؛ للوصول إلى دولة مؤسسات حديثة قادرة على بسط الأمن وتحقيق السيادة على أراضيها، وهو مسارٌ يظل بابه مفتوحاً لكل طرف يختار خيار السلام وتغليب مصلحة الشعب اليمني.