د.عبدالله الفايز
كتبت الأسبوع الماضي عن ظاهرة حفلات الزواج المتضخمة وما يصاحبها أحياناً من مبالغة في الإنفاق والمنافسة الاجتماعية، وتساءلت من يعلق الجرس، وهل أصبح من الضروري أن نعيد النظر في بعض العادات التي تحولت من وسيلة للفرح والتواصل الاجتماعي إلى عبء مالي وزمني ومروري على العروسين وأسرهما والمدعوين والمجتمع كله، وأود في هذا المقال أن أنظر إلى الموضوع من زاوية اقتصادية أوسع، لأنني أعتقد أن المشكلة لا تكمن فقط في المبلغ الذي يدفعه العريس أو والد العروس أو العروس وأسرتها، وإنما في التكلفة الاقتصادية الكاملة التي تتحملها منظومة اجتماعية واسعة عندما تقام مناسبة كبيرة ويحضرها مئات أو آلاف الأشخاص في مكان واحد وفي وقت واحد.
ولا بد منذ البداية أن أوضح أنني لا أعتبر كل ريال ينفق على الزواج خسارة اقتصادية، فحفلات الزواج تحرك قطاعات اقتصادية عديدة وتشغل القاعات والمطاعم وشركات تنظيم المناسبات والمصورين ومصممي الديكور والزهور ومحلات الملابس والمجوهرات وصالونات التجميل وشركات النقل وغيرها، وهذا كله نشاط اقتصادي حقيقي، ولكن السؤال الذي أطرحه هو سؤال مختلف: هل يمثل كل هذا الإنفاق أفضل استخدام للموارد المتاحة للأسرة والمجتمع، وما التكلفة غير المباشرة التي يتحملها الآخرون نتيجة هذه المناسبة من وقت ووقود وازدحام وتلوث وحوادث وضغط اجتماعي، وما الذي كان يمكن أن يحققه جزء من هذه الأموال لو وجه إلى السكن أو الادخار أو الاستثمار أو تعليم الأبناء أو تأسيس الحياة الزوجية الجديدة؟ ولذلك فإنني لا أريد أن أحسب فقط ما يدفعه صاحب المناسبة، وإنما أريد أن أحسب ما يمكن أن نسميه التكلفة الاجتماعية الكلية للمناسبة.
ولنأخذ حفلة زواج متوسطة إلى كبيرة في مدينة مثل الرياض كمثال تقريبي فقط، وليس باعتباره إحصاءً رسمياً. لنفترض أن عدد الحضور يبلغ نحو 500 شخص، وأن تكلفة القاعة والطعام والتجهيزات والديكور والتصوير والخدمات المختلفة تصل في المتوسط إلى نحو 150 ألف ريال، وقد تكون أقل من ذلك أو أعلى بكثير بحسب مستوى المناسبة، ولنفرض أن العروسين وأسرتيهما ينفقون كذلك نحو 50 ألف ريال على الملابس والمجوهرات والتجميل والسيارات والهدايا والمصاريف الأخرى المرتبطة بالمناسبة، وبذلك يصبح الإنفاق المباشر للأسرتين في حدود 200 ألف ريال في هذا المثال. وإذا كانت المناسبة أكثر فخامة فقد تصل التكلفة إلى 300 ألف أو 500 ألف ريال أو أكثر، ولذلك فإنني أستخدم الرقم المتوسط فقط لتوضيح طريقة الحساب.
لكن الـ200 ألف ريال ليست التكلفة الحقيقية للمناسبة. فهناك 500 مدعو، وكل مدعو يتحمل بدوره تكلفة للحضور. فإذا افترضنا بصورة محافظة أن متوسط ما ينفقه المدعو على الملابس والتجميل والهدايا والنقل والمصاريف المرتبطة بالمناسبة يبلغ 500 ريال فقط، فإن 500 مدعو × 500 ريال تعني نحو 250 ألف ريال إضافية تتحملها الأسر المدعوة. وإذا كان نصف المدعوين من النساء، وكانت بعض النساء تنفق مبالغ أعلى على الفساتين وصالونات التجميل والمجوهرات والإكسسوارات، فقد يكون المتوسط الحقيقي أعلى من ذلك بكثير، وربما يصل في بعض المناسبات إلى 700 أو 1000 ريال للفرد، وعندها يمكن أن ترتفع تكلفة المدعوين وحدهم إلى 350 أو 500 ألف ريال. وهذا يعني أن حفلة الزواج التي قد تبدو في ظاهرها مناسبة تكلف الأسرة 200 ألف ريال يمكن أن تولد في الواقع إنفاقاً اجتماعياً يتجاوز نصف مليون ريال إذا أضفنا ما يدفعه المدعوون.
وهناك بعد آخر لا يظهر في هذه الحسابات، وهو الوقت. فإذا كان متوسط رحلة المدعو من منزله إلى القاعة 45 دقيقة في الذهاب و45 دقيقة في العودة، فهذا يعني ساعة ونصف لكل شخص في التنقل فقط. وإذا أضفنا ساعتين ونصف تقريباً للحضور والانتظار والمغادرة، فإن المشاركة قد تستغرق أربع ساعات للشخص. وعندما يكون عدد الحضور 500 شخص، فإننا نتحدث عن 2000 ساعة بشرية تقريباً في مناسبة واحدة. وإذا افترضنا بصورة تقريبية أن القيمة الاقتصادية المتوسطة لساعة الإنسان، من حيث الإنتاجية أو قيمة الوقت، تبلغ 50 ريالاً فقط، فإن 2000 ساعة × 50 ريالاً تعني نحو 100 ألف ريال كقيمة زمنية تقريبية. وإذا كان الوقت قد وقع في فترة كان يمكن أن يستخدم فيها الإنسان في عمل إضافي أو نشاط اقتصادي، فقد تكون القيمة أعلى من ذلك، أما إذا كان في وقت الراحة أو التواصل الأسري فلا يمكن اختزاله بالكامل إلى قيمة مالية، ولذلك فإن الرقم هنا مجرد طريقة لإظهار حجم الوقت الاجتماعي المستخدم، وليس فاتورة فعلية.
ثم نصل إلى النقل والوقود. فإذا كان 500 شخص يستخدمون، على سبيل المثال، 250 سيارة بمتوسط شخصين في السيارة، وكانت المسافة الإضافية التي تقطعها كل سيارة ذهاباً وعودة 50 كيلومتراً، فإننا نتحدث عن 12,500 كيلومتر من الحركة المرورية الإضافية في مناسبة واحدة. وإذا كان متوسط استهلاك السيارة نحو 10 لترات لكل 100 كيلومتر، فإن ذلك يعادل نحو 1,250 لتراً من الوقود. وإذا افترضنا سعراً تقريبياً قدره ريالان للتر، فإن تكلفة الوقود المباشرة تبلغ نحو 2,500 ريال فقط، وهي ليست رقماً كبيراً مقارنة بتكلفة الحفل، ولكن المشكلة أن الوقود ليس التكلفة الوحيدة؛ فهناك استهلاك المركبات، والإطارات، والزيوت، والصيانة، واستخدام الطرق، والانبعاثات، والازدحام، والوقت الذي تخسره بقية المركبات بسبب هذه الرحلات.
ولو ارتفع متوسط المسافة إلى 80 أو 100 كيلومتر للسيارة بسبب اتساع مدينة الرياض وبعد بعض القاعات عن أحياء المدعوين، فقد ترتفع المسافة الإجمالية إلى 20 أو 25 ألف كيلومتر في مناسبة واحدة، ويزداد معها الوقود والانبعاثات والوقت. وإذا تكررت هذه الحركة في عشرات المناسبات في ليلة واحدة، فإننا نبدأ في رؤية الصورة الحضرية الحقيقية للظاهرة.
ولنفرض أن 100 مناسبة كبيرة تقام خلال فترة معينة، وكل مناسبة تولد في المتوسط 250 سيارة إضافية، فإننا أمام 25 ألف سيارة إضافية تتحرك إلى مواقع المناسبات وتعود منها. وإذا قطعت كل سيارة في المتوسط 60 كيلومتراً، فإن ذلك يعادل 1.5 مليون كيلومتر من الرحلات الإضافية. وإذا كان متوسط استهلاك السيارات 10 لترات لكل 100 كيلومتر، فإن ذلك يعني نحو 150 ألف لتر من الوقود، قبل أن نحسب أثر الازدحام والتوقف والتسارع والبحث عن مواقف السيارات. وإذا استخدمنا تقديراً تقريبيًا لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن البنزين، فإن 150 ألف لتر من الوقود يمكن أن ترتبط بنحو 345 طناً من ثاني أكسيد الكربون تقريباً، باستخدام معامل تقريبي في حدود 2.3 كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون لكل لتر من البنزين. وهذا الرقم ليس تقديراً رسمياً لانبعاثات حفلات الزواج في المملكة، وإنما مثال حسابي يوضح كيف يمكن تحويل الرحلات الاجتماعية إلى تكلفة بيئية قابلة للقياس.
وهنا تظهر تكلفة الازدحام، وهي أصعب من تكلفة الوقود لأن الازدحام لا يدفعه صاحب المناسبة مباشرة. فإذا تسبب ازدحام مناسبة كبيرة في تأخير 500 شخص لمدة 30 دقيقة إضافية في المتوسط، فإننا فقدنا 250 ساعة بشرية أخرى. وإذا تكرر الأمر في عشرات المناسبات، فإن الساعات المهدرة تتراكم بسرعة. ولو افترضنا أن 100 مناسبة كبيرة تسببت كل واحدة منها في 250 ساعة تأخير إضافية، فإننا نصل إلى 25 ألف ساعة بشرية مهدرة. وبقيمة افتراضية تبلغ 50 ريالاً للساعة، فإن القيمة الزمنية لهذه الخسارة تصل إلى 1.25 مليون ريال. مرة أخرى، هذا ليس رقماً رسمياً، وإنما نموذج مبسط يوضح لماذا يجب ألا نقيس تكلفة المناسبات بالفاتورة التي يدفعها صاحب الحفل فقط.
أما الحوادث المرورية فهي تكلفة أكثر خطورة لأنها لا تتعلق بالمال وحده. فإذا أدت كثافة الرحلات إلى زيادة احتمال وقوع حادث واحد فقط في مجموعة كبيرة من الرحلات، فإن تكلفة ذلك الحادث قد تتجاوز آلاف أو عشرات الآلاف من الريالات إذا كان حادثاً بسيطاً، وقد تصل إلى مئات الآلاف أو أكثر إذا نتجت عنه إصابات خطيرة، وقد تكون التكلفة الإنسانية غير قابلة للتعويض إذا نتجت عنه وفاة أو إعاقة. ولذلك لا يصح أن نقول إن كل حادث يقع في طريق شخص ذاهب إلى زواج سببه المناسبة، فهذا غير علمي، ولكن يمكن القول إن كل رحلة إضافية تضيف قدراً من التعرض للمخاطر المرورية، وبالتالي فإن تقليل الرحلات غير الضرورية أو تقليل مسافاتها يمكن أن يكون له أثر إيجابي في السلامة.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا أصبحت تكلفة الوقت والنقل والازدحام والسلامة جزءاً من الاقتصاد الحضري الحديث. فالمشكلة ليست أن 500 شخص ذهبوا إلى الزواج، وإنما أن 500 شخص ربما احتاجوا إلى 250 سيارة، وتحركوا في الوقت نفسه، وقطعوا مسافات طويلة، واستهلكوا الوقود، واستخدموا الطرق، وشغلوا مواقف السيارات، وربما تسببوا في تأخير مستخدمين آخرين للطريق. وعندما تتكرر هذه العملية مئات المرات خلال العام، تتحول الظاهرة من قرار اجتماعي فردي إلى ظاهرة ذات أثر حضري قابل للقياس.
وإذا جمعنا الحسابات التقريبية السابقة لمناسبة واحدة، فقد نجد صورة تقريبية على النحو التالي: نحو 200 ألف ريال تكلفة مباشرة للأسرتين، ونحو 250 ألف ريال إنفاقاً تقريبياً للمدعوين، ونحو 100 ألف ريال قيمة زمنية تقريبية للحضور والتنقل، ونحو عدة آلاف من الريالات للوقود والمصاريف المباشرة للنقل، إضافة إلى تكلفة الازدحام والتلوث واستهلاك المركبات والمخاطر المرورية. وبذلك قد تتجاوز التكلفة الاقتصادية والاجتماعية الكلية لمناسبة متوسطة الحجم 550 ألف ريال، وربما تصل إلى 700 ألف ريال أو أكثر إذا كانت الملابس والمجوهرات والتجميل والهدايا والنقل أكثر تكلفة. وفي المناسبات شديدة الفخامة، يمكن أن تتجاوز التكلفة الاجتماعية الكلية المليون ريال بسهولة، ليس لأن صاحب الزواج دفع مليون ريال، وإنما لأننا نجمع تكلفة الأسرة مع تكلفة مئات المدعوين وتكلفة الوقت والنقل والآثار الخارجية.
ولنتخيل الآن أن لدينا 1000 مناسبة كبيرة خلال سنة، وهذا الرقم هنا افتراضي لغرض الحساب وليس تقديراً لعدد المناسبات الفعلي في المملكة. فإذا كانت التكلفة الاجتماعية الكلية المتوسطة للمناسبة 550 ألف ريال، فإننا نتحدث عن 550 مليون ريال من التكلفة الاقتصادية والاجتماعية. وإذا كان متوسط التكلفة 750 ألف ريال، فإن الرقم يرتفع إلى 750 مليون ريال. وإذا كانت لدينا مناسبات أكثر أو كان متوسط الإنفاق أعلى، فإن الرقم يمكن أن يصل إلى مليارات الريالات. ولذلك فإن الفكرة التي أريد طرحها ليست أن حفلات الزواج تكلف المملكة مبلغاً محدداً، لأننا لا نملك هنا قاعدة بيانات وطنية تسمح بإعطاء هذا الرقم، وإنما أن حجم الإنفاق والتكلفة المحتملة كبير بما يكفي لكي يستحق الدراسة الاقتصادية العلمية.
بل إن الأمر يصبح أكثر إثارة عندما نضيف تكلفة الفرصة البديلة. فإذا أنفق العروسان وأسرتاهما 200 ألف ريال على الزواج، فإن السؤال هو: ماذا كان يمكن أن يفعلوا بهذا المبلغ لو خفضوا الحفل إلى 100 ألف ريال؟ ربما كان بالإمكان توفير 100 ألف ريال للعروسين للسكن أو شراء سيارة أو تأسيس مشروع صغير أو تكوين احتياطي مالي. وإذا كانت الأسرة قد اقترضت 200 ألف ريال لتمويل المناسبة، فإن تكلفة الزواج لا تنتهي بانتهاء الحفل، بل تستمر سنوات من خلال الأقساط وتكلفة التمويل. وإذا كان القرض مثلاً 200 ألف ريال، وكانت التكلفة التمويلية الفعلية على مدى عدة سنوات عشرات الآلاف من الريالات، فإن الأسرة لا تكون قد دفعت فقط ثمن الحفل، وإنما دفعت أيضاً ثمن تأجيل استخدام المال في أغراض أخرى.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى. قد ينتهي الحفل بعد خمس ساعات، بينما يستمر القرض خمس سنوات. وقد تختفي الزهور خلال أيام، وينتهي الطعام خلال ساعات، وتنتهي المناسبة في ليلة، ولكن الدين قد يبقى مع الشاب سنوات. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس هل يستطيع الإنسان أن يدفع، وإنما هل هذا هو الاستخدام الأفضل للمال في بداية الحياة الزوجية؟
والضغط الاجتماعي يجعل السؤال أكثر تعقيداً. فلو كانت حفلات الزواج كلها بسيطة، لما شعر أحد بأن البساطة تعني الفقر. ولكن عندما يصبح أحد الحفلات فاخراً جداً، يبدأ الآخر في المقارنة، ثم يصبح المستوى الجديد معياراً غير مكتوب. ويقول الأب أو الابن: ماذا سيقول الناس؟ لماذا لا يكون زواجنا مثل زواج فلان؟ وهكذا يرتفع سقف الإنفاق تدريجياً. وقد يصل الأمر إلى أن يتحمل الإنسان مصاريف لا يحتاج إليها فقط حتى لا يشعر بأنه أقل من الآخرين.
وتتضاعف المشكلة مع وسائل التواصل الاجتماعي، لأن المناسبة لم تعد تنتهي بانتهاء الحفل. فصور القاعة والملابس والمجوهرات والطعام والسيارات والتجهيزات تنتشر وتبقى، ويصبح الحفل مادة للمقارنة مع مئات المناسبات الأخرى. وقد يتحول الفرح من تجربة اجتماعية خاصة إلى عرض عام للقدرة المالية. وهذا لا يعني أن نشر صور المناسبات جريمة أو أن كل من ينشر حفله يقصد التفاخر، ولكن عندما يتحول النشر إلى أداة ضغط اجتماعي وتنافس استهلاكي، فإن المجتمع يحتاج إلى التوعية وإعادة النظر في هذه الثقافة.
وهنا يمكن أن نطرح فكرة اقتصادية واجتماعية ربما تكون أهم من مجرد الدعوة إلى تخفيض تكاليف الزواج، وهي تحويل جزء من الإنفاق من الاستهلاك الاحتفالي المؤقت إلى الاستثمار في الحياة الجديدة. فإذا كان متوسط الأسرة ينفق 200 ألف ريال على المناسبة، فلماذا لا يكون هناك خيار اجتماعي محترم بأن تنفق الأسرة 100 ألف ريال فقط على الحفل، وتضع 100 ألف ريال في حساب أو استثمار باسم الزوجين أو تستخدمه في السكن؟ وإذا كان المدعو ينفق 1000 ريال على ملابس وتجميل ونقل وهدايا لكل مناسبة، فلماذا لا تصبح إعادة استخدام الملابس أو الاستفادة من خدمات أقل تكلفة أمراً عادياً لا يشعر صاحبه بالحرج؟والأمر نفسه ينطبق على مكان المناسبة. فإذا كانت القاعة في الطرف الآخر من المدينة، فقد يكون من الأفضل اقتصادياً ومرورياً اختيار مكان أقرب إلى غالبية المدعوين. وإذا كان 250 سيارة تقطع متوسط 60 كيلومتراً في مناسبة واحدة، فإن تقليل متوسط الرحلة إلى 30 كيلومتراً يخفض المسافة الإجمالية إلى النصف. وإذا كان لدينا 100 مناسبة، فإننا قد نوفر ملايين الكيلومترات من الحركة المرورية. كما يمكن أن يكون النقل الجماعي خياراً عملياً لبعض المناسبات الكبيرة، فلو نقلت عشر حافلات 500 شخص بدلاً من 250 سيارة، فإن عدد المركبات المطلوبة قد ينخفض بصورة كبيرة، وكذلك مساحة مواقف السيارات واستهلاك الوقود والضغط على الطرق.
ومن هنا يمكن أن نصل إلى مفهوم أسميه «المناسبة الذكية»، وهي المناسبة التي تحقق هدفها الاجتماعي بأقل تكلفة مالية وزمنية وبيئية ممكنة من دون أن تفقد الفرح والكرم والتواصل. فالمناسبة الذكية ليست بالضرورة المناسبة الصغيرة، وإنما المناسبة الكفؤة. وقد تكون قاعة قريبة أفضل من قاعة فخمة بعيدة، وقد يكون الطعام الجيد بكمية معقولة أفضل من عشرات الأصناف التي ينتهي جزء منها إلى الهدر، وقد تكون دعوة عدد مناسب من الأقارب والأصدقاء أكثر قيمة من دعوة أعداد ضخمة لا تربطهم بالعائلة علاقة قوية، وقد يكون استخدام وسائل التواصل للحضور الافتراضي لبعض الأقارب البعيدين وسيلة لتقليل السفر من دون إلغاء المشاركة الاجتماعية.
ولا أعتقد أن الحل في منع حفلات الزواج أو فرض نموذج واحد على جميع الناس، فالناس يختلفون في قدرتهم ورغباتهم وعاداتهم، ومن حق القادر أن ينفق من ماله في الحدود النظامية والشرعية. ولكن من حق المجتمع أيضاً أن يناقش الآثار الخارجية عندما تتحول بعض الاختيارات الفردية إلى ضغط اجتماعي واسع. فالذي يستطيع أن ينفق مليون ريال على مناسبة قد لا يتضرر، ولكن إنفاقه قد يرفع سقف التوقعات لدى الآخرين، فيشعر شاب محدود الدخل أنه مطالب بتقليده. وإذا لم يستطع، فقد يقترض. وهنا يتحول الإنفاق الفردي إلى ضغط اقتصادي على جيل كامل.
ولذلك فإنني أرى أن المشكلة ليست في الزواج ولا في الوليمة ولا في الفرح ولا في إكرام الضيف، وإنما في تحول المناسبة إلى منافسة، والمنافسة إلى ضغط، والضغط إلى استهلاك، والاستهلاك إلى ديون، والديون إلى بداية حياة مثقلة بالأعباء. كما أن المشكلة ليست في أن تستفيد الشركات والعمال من قطاع المناسبات؛ فهذا نشاط اقتصادي طبيعي، وإنما في أن يصبح الاقتصاد الاجتماعي مدفوعاً بمنافسة تجعل الأسر تنفق فوق حاجتها أو قدرتها.
وقد يكون من المفيد أن نبدأ في المملكة بدراسة علمية لما يمكن تسميته «اقتصاد المناسبات الاجتماعية»، بحيث تجمع بيانات حقيقية عن عدد المناسبات، وعدد الحضور، ومتوسط الإنفاق، ومتوسط المسافات، وعدد المركبات، والوقت المستغرق، والوقود المستهلك، والهدر الغذائي، والإنفاق على الملابس والتجميل والمجوهرات والنقل، ثم نحسب التكلفة الاجتماعية الكلية. عندها فقط نستطيع أن ننتقل من الانطباعات إلى الأرقام، ومن النقد الاجتماعي إلى التخطيط الاقتصادي.
وقد نكتشف عند إجراء هذه الدراسة أن جزءاً من الإنفاق الحالي يمكن أن يتحول إلى استثمار أسري، وأن جزءاً من الرحلات يمكن تقليله، وأن جزءاً من الازدحام يمكن تخفيفه، وأن جزءاً من الانبعاثات يمكن تجنبه، وأن جزءاً من الوقت يمكن استعادته، وأن جزءاً من الديون يمكن ألا ينشأ أصلاً.
وهذا لا يعني أن نفرض على الناس كيف يفرحون، وإنما أن نساعدهم على معرفة التكلفة الحقيقية لقراراتهم.
فالزواج مشروع حياة وليس مشروع ليلة، والقاعة تنتهي، والطعام ينتهي، والزهور تذبل، والفستان قد لا يستخدم إلا مرة أو مرتين، والسيارة المستأجرة تعاد في نهاية الليلة، ولكن البيت يبقى، والاستقرار يبقى، والمدخرات تبقى، والتعليم يبقى، والأسرة تبقى. وإذا كان علينا أن نختار بين إبهار الناس ليلة واحدة وبين مساعدة شاب وفتاة على بناء حياة مستقرة لسنوات، فأعتقد أن المجتمع بحاجة إلى أن يعيد التفكير في أولوياته.
وربما يكون الوقت قد حان لأن نعلق الجرس، ولكن ليس جرس المنع، وإنما جرس الوعي الاقتصادي والاجتماعي. نحتاج إلى أن نعيد تعريف الكرم، وأن نجعل البساطة خياراً محترماً لا علامة على قلة المال، وأن نجعل الزواج بداية حياة لا بداية دين، وأن نجعل المناسبة وسيلة للفرح لا سبباً لاستنزاف المال والوقت والطاقة والطرق والبيئة.
وأخيراً، فإنني لا أقول إن حفلات الزواج هي سبب الازدحام أو التلوث أو الحوادث في المدن السعودية، فهذا تعميم لا يمكن إثباته بهذه الصورة، ولكنني أقول إن كل مناسبة كبيرة تولد رحلات إضافية وتستهلك موارد إضافية وتفرض تكلفة على المدعوين والمجتمع، وهذه التكلفة تستحق أن تقاس. وإذا أظهرت الدراسة الفعلية أن تكلفة هذه الظاهرة تبلغ مئات الملايين أو مليارات الريالات سنوياً، فربما يكون من الأجدى اقتصادياً واجتماعياً أن نعيد توجيه جزء من هذه الموارد إلى ما هو أكثر نفعاً للأسرة والمجتمع.
فالسؤال في النهاية ليس: كم دفعنا في ليلة الزواج؟ وإنما: كم كلفتنا المناسبة فعلاً، وكم كان يمكن أن نحقق بهذا المال والوقت لو استخدمناه بطريقة أكثر كفاءة؟
وقد يكون الجواب هو بداية النقاش الحقيقي حول اقتصاد المناسبات الاجتماعية في المملكة.
فالزواج ينبغي أن يكون بداية حياة، لا بداية دين، والمناسبة ينبغي أن تكون مناسبة للفرح، لا مناسبة لتحميل العروسين والمدعوين والمجتمع تكاليف لا تظهر في فاتورة واحدة.