إبراهيم بن سعد الحقيل
الصَلَتَان بفتح الصاد واللام والتاء شاعر من قبيلة عبد القيس، اشتهر بقصيدته التي حَكَم فيها بين الفرزدق وجرير، وأولها:
أنا الصّلتانىّ الذي قدْ عَلِمْتُمُ
مَتَى ما يُحَكَّمْ فهوَ بالحقِّ صَادِعُ
أتَتْنِى تَمِيمٌ حِيْنَ هَابَتْ قُضَاتُها
وإنِّي لبالفَصْلِ المُبَيَّنِ قَاطِعُ
والصلتان في اللغة: الشديد الصَّلب من الرجال. والسيف الماضي السريع. وهذا اللقب أطلقه على نفسه في افتتاح قصيدته المُحَكِّمة بين الفرزدق وجرير، فمن ثَمَّ عُرف به.
والصلتان العبدي شاعر اختلفوا في اسمه واسم أبيه، فأكثرهم سمَّاه «قُثَم»، وأخرون سموه «عَمراً»، وسماه أخرون « تيمياً»، ومرد ذلك أن لقبه أخفى اسمه.
والصلتان شاعر بصري، كان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في يوم صفين، وشهدها معه، ويوم صفين وقع سنة (37هـ)، فعلى هذا نستطيع أن نحدِّد مولده على التقريب في سنة (15هـ). فهو من شعراء العصر الراشدي والأموي. وامتدَّت حياته حتى شَهِد المعركة الشعرية الطاحنة بين الفرزدق وجرير، فصَدَع فيها بالحُكْم الذي خلَّدَه في قصيدته العينية. ولعلَّ الصلتان تطاول به العمر حتى أدرك أوائل التَّسعين الهجرية.
إن حياة الصلتان وتقلبات الزمان به مجهولة غامضة، وليس هذا مقام التنقير عنها، لكن الأمر المهم صلة الصلتان بخُلَيْد عَيْنَيْن، الشاعر العبدي الآخر، الذي لن نجد عنه إلّا نزراً قليلاً من الأخبار والأشعار بخلاف الصلتان.
وخُليد مضافٌ إلى بلدة عَيْنَيْن التي تُعْرف الآن بالجبيل، بل إن هذا الاسم كان حاضراً حتى وقت قريب على ألسنة الأباء والأجداد، وأذكر أنّ أحد الأعمام سألتُهُ عن أحدهم فقال: رأيته في عينين. يعني الجبيل، وهذا الاسم انقرض الآن من الألسنة، لكنه مثبت في البلدانيات المعاصرة. فهذان الشاعران يتفقان في عدَّة أمور، هي:
1- كلاهما من قبيلة بني عبد القيس، وهي قبيلة كبيرة تسكن ما يعرف بالمنطقة الشرقية الآن من المملكة، ولها حضور في بلدتي البصرة والكوفة، وحضورها في البصرة أشهر وأظهر.
2- كلاهما ينتمي إلى إقليم البحرين التاريخي، الواقع جله في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية. في حين يسكنان البصرة مع قومهما من بني عبد القيس.
3- عاشا في زمن واحد.
4- دخلا في المناقضة الأشهر في الأدب العربي بين جرير والفرزدق، فهاجهما جرير، ولم يَرِد للفرزدق هجاءٌ لهما.
هذا التوافق يجعل الباحث ينظر إليهما نظرة واحدة وليست نظرتين، أي: أنهما شخص واحد، وليسا شخصين، كما أن خليد عنين لم يذكر أحد اسمه ونسبه وإنما ورد ذكره بهذه التسمية المركبة من مضاف ومضاف إليه. لكن بعض المصادر تأبى ذلك، وتجعلهما شخصين. وأظهرهما ابن قتيبة في كتابه «الشعر والشعراء»، فجعلهما اثنين. ولم ترد لخليد عينين ترجمة في مصدر آخر غيره. وترد أخبار لخليد عينين في بعض المصادر تدل على معاصرته للصلتان، وأنه شاعر بصري كالصلتان. ومن ذلك أنه رثى المنذر بن الجارود العبدي لما مات بالسند سنة (61هـ).
فأمر خليد مضطربٌ من ناحية علاقته بحُكْم الصلتان بين جرير والفرزدق، وردّه على جرير الذي لم يُعْجبه حُكْم الصلتان، فقال:
أقولُ ولم أمْلِكْ سَوابِقَ عَبْرَةٍ
متى كانَ حُكْمُ اللهِ في كَرَبِ النَّخْلِ
فردَّ عليه خُلَيدُ عَيْنين:
أعَيَرْتَنَا أنْ كانتِ النَّخْلُ مَالَنَا
ووَدَّ أبوكَ الكَلْبُ لوْ كانَ ذا نَخْلِ
هذا البيت بعضهم قال إنه للصَّلَتان يردُّ به على جرير، وبعضهم نسَبَهُ لخُليد، فممَّن نَسَبَهُ للصلتان: ابن سلام في طبقات فحول الشعراء (2/405)، وابن حبيب في شرح ديوان جرير (2/587)، والجاحظ في الحيوان (1/264)، وابن قتيبة في الشعر والشعراء (1/501) وغيرهم ممن أتى بعدهم.
ونَسَبَهُ البكريُّ في اللآلي (1/766) وفصل المقال (ص 416) والزمخشريُّ في المستقصى (2/341)، وربيع الأبرار إلى خليد عينين. ويرد معه بيت آخر، هو:
وأيُّ نَبيٍّ كان مِن غَيْرِ قَرْيةٍ
وهَلْ كانَ حُكْمُ الله إلَّا مع الرُّسْلِ
مُتَدافَعٌ بين الصلتان وخليد عينين أيضاً. ونلحظ أنه متصل بالبيت السابق معنى ووزناً وقافية. هذا الاشتباك بين الشاعرين العَبْدِيَّين جلَّاه وبَيَّنَهُ ابن حبيب في شرحه لديوان جرير (2/577) فقال:» وقال جريرٌ لخُلَيد عينين؛ حِيْنَ فضَّلَ عليه الفرزدقَ، هو وصَلَتان العبديّ واحْتَكما إليه». فالذي حكم بين جرير والفرزدق، وفضَّل الفرزدق عليه الصَّلَتان، ولم يذكر أحدٌ أنه خُلَيد. وكانت عبارة الصغانيُّ في العباب الزاخر (2: 444) واضحة جلية، فقال بعد أنْ أوردَ قول جرير:
أقولُ ولم أمْلِكْ سَوابِقَ عَبْرَةٍ
متى كانَ حُكْمُ اللهِ في كَرَبِ النَّخْلِ
قال:» قالَهُ لخُلَيدِ عينين، وهو الصَّلَتَان العبدي». ويؤكد هذا أيضاً أن الزمخشري، قال في المستقصى (2/341) بعد أن ساق بيت جرير: « قالَهُ لخليد عينين، وهو ر جلٌ من عبد القيس، حينَ قال:
أرى شَاعِرًا لَا شَاعِر اليَوْمَ مِثْلَهُ
جريراً ولكنْ في كُلَيْبٍ تَواضُعُ
وهذا البيت من مشهور شعر الصلتان، ولم يَنْسِبْهُ أحدٌ لخليد.
فالصلتان المُخْتلف في اسمه كان يُلقَّب خُليداً، فلمَّا صَدَع بقصيدته في الحُكْم بين الفرزدق وجرير نُسِيَ هذا اللقب، ولقَّبَهُ الناسُ بالصَّلَتان، وهو اللَّقب الذي لقَّبَ به نفسه، وراقت هذه التَّسمية للناس، لأنها مُعبِّرة عن شاعر دَخَل بكلِّ شجاعة بين شاعرين لا طاقة لشاعرٍ بأحدهما فكيف بكليهما.
وللأسف فإن محاولات جمع شعر الصَّلَتان لم تبحث هذا الأمر، مع أنه أمر مهم وشديد المساس بالصلتان.