د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
ضمائر النصب منها ما هو متصل ومنها ما هو منفصل، فإن كانت الضمائر متصلة أوجب سيبويه ترتيبها حسب الأعرف المتكلم فالمخاطب فالغائب، قال سيبويه «فإن بدأ بالمخاطب قبل نفسه فقال: أعطاكَني، أو بدأ بالغائب قبل نفسه فقال: قد أعطاهوني، فهو قبيح لا تكلّمُ به العرب، ولكن النحويين قاسوه. وإنما قبُح عند العرب كراهيةَ أن يبدأ المتكلم في هذا الموضع بالأبعد قبل الأقرب، ولكن تقول أعطاك إيّاي، وأعطاه إيّاي، فهذا كلام العرب»(1). قال الرماني «والمفعول الثاني يترتب في المتصل على الأقرب فالأقرب؛ وذلك أن الأقرب المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب. وإنما كان المتكلم أقرب؛ لأنه حاضرٌ هو أخص بالفعل بأنه أحق بإدراكه قبل غيره من سائر العباد، ثم المخاطب؛ لأنه حاضرٌ للكلام، ثم الغائب»(2).
وإن كانت منفصلة جاز ترك الترتيب، قال الرماني «وليس كذلك المنفصل؛ لأنه يجري مجرى الأجنبي في التقديم والتأخير والفرق، فلا يجوز: أعطاهوني، ويجوز: أعطاه إياي، وأعطانيه، ولا يجوز: أعطاكني، ولكن: أعطانيك، وأعطاني إياك، وأعطاك إياي، كل ذلك جائز حسنٌ»(3).
ومن النحويين من خالف سيبويه، قال الرماني «وقد أجاز بعض النحويين خلاف الترتيب في هذا قياسًا على الضمير المنفصل»(4). ومن هؤلاء الذين خالفوه المبرد، قال ابن السراج «وتقول: أعطانيه وأعطانيك ويجوز: أعطاكني، فإن بدأ بالغائب قال: أعطاهوني وقال سيبويه: هو قبيح لا يتكلم به العرب، وقال أبو العباس: هذا كلام جيد ليس بقبيحٍ»(5)، وقال ابن يعيش «وقد أجاز غيرُه[سيبويه] من النحويين تقديمَ الضمير الأبعد على الأقرب قياسًا، وهو رأيُ أبي العبّاس محمّد بن يزيد، وكان يُسوِّي بين الغائب والمخاطب والمتكلّم في التقديم والتأخير، ويُجيز (أعطاهُوكَ)، و(أعطاهُوني). و(أعطاكَنِي). ويستجِيدُه، ولم يَرْضَ سيبويه مَقالتَهم وقال: هو شيءٌ قاسُوه ولم يتكلّم به العربُ، فاعرفه»(6).
ويبدو أن للمعنى أثرًا في هذا الترتيب، نجد مثاله في توقف أبي حيان في قول ابن مالك، إذ نقل عنه قوله في (شرح تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد) قوله «قال المصنف [ابن مالك] في الشرح: (ولا أعلم في ذلك سماعًا إلا ما روى ابن الأثير في غريب الحديث من قول عثمان رضي الله عنه: أراهمْني الباطلُ شيطانًا وقياسه: أراهموني، ولو جاء هكذا كان أيضًا شاذًا مثل الإسكان من وجه آخر، وهو أنه إذا تعدى الفعل إلى مفعولين، وكانا ضميرين، فإن ضمير المتكلم يقدم على ضمير المخاطب وعلى ضمير الغائب، وضمير المخاطب يقدم على ضمير الغائب، فكان القياس أن يقال: أرانيهم الباطل شيطانًا)»(7).
قال أبوحيان متعقبًا ابن مالك «وأما تخريجه قول عثمان -رضي الله عنه- على أن قياسه (أراهموني) فقد أفسد هو هذا القياس بقوله: «ولو جاء هكذا كان أيضًا شاذًا»، وبيّن جهة الشذوذ، فإذا كان شاذًا فلا يكون قياسًا. وأما قوله أخيرًا: (فكان القياس أن يقال: أرانيهم الباطل شيطانًا) فهذا لا يصح، ومعناه عكس ما أراد عثمان؛ لأنه كان يكون هو الذي رآهم شيطانًا، والمعنى: أنهم هم رأوه شيطانًا؛ لأن ضمير المتكلم هو الفاعل قبل دخول همزةً التعدية على (رأى)، فالقياس أن يقول في معنى ما أراد عثمان: أراهم إيّاي الباطل شيطانًا؛ إذ هم الراؤون قبل همزة التعدية لا هو»(8).
الذي ننتهي إليه جواز مخالفة الرتبة وفاقًا للمبرد إن اقتضت الدلالة هذا كما جاء في الأثر المنسوب إلى عثمان - رضي الله عنه.
**__**__**__**__**
(1) الكتاب لسيبويه، 2/ 363-364.
(2) شرح كتاب سيبويه للرماني، ص: 620.
(3) شرح كتاب سيبويه للرماني، ص: 621.
(4) شرح كتاب سيبويه للرماني، ص: 621.
(5) الأصول في النحو لابن السراج، 2/ 120.
(6) شرح المفصل لابن يعيش، 2/ 322.
(7) التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل لأبي حيان، 2/ 134.
(8) التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل لأبي حيان، 2/ 135-136.