سارة المطيري
استكمالًا لما بدأته في مقالي السابق «أخلاقيات الممارسة النقدية»، وجدت أن هناك سؤالًا لا يقل أهمية: ما عُدَّة الناقد؟ ولا أقصد بذلك كثرة الكتب التي قرأها، أو تلك المصطلحات التي يذكرها ويتداولها، بل أعني بها، إجرائيًّا، مجموع الكفايات والملكات المعرفية والجمالية التي يمارس بها الناقد فعله النقدي، وتُعرَف بآثارها: دقة الفهم، وسلامة الاستدلال، وصحة التذوق، وعدل الحكم.
فأرى أن أول ما يحتاج إليه الناقد الأدبي كفاية راسخة في علوم العربية تمكّنه من الوقوف على دقائق النصوص وأسرارها؛ فالنحو والصرف يضبطان له وجوه التركيب وعلله، والبلاغة بأنواعها الثلاثة: المعاني والبيان والبديع، تفتح له طرائق النظر في الصورة والمجاز، أما علم العَروض فيكشف له عن طاقات تعبيرية لا يستقيم إدراكها بمعزل عن موسيقى الشعر، وتمنحه دراسة الأدب وسيرته وتاريخه ونقده القدرة على التحليل والوقوف على مواطن الحسن.
لكنني لا أرى أن هذه العُدَّة تكتمل عند هذا الحد؛ فالناقد، في ظني، يحتاج إلى أن يُطلّ على الإنسان من أكثر من نافذة، ومن هنا تأتي أهمية الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، وغيرها من العلوم الإنسانية؛ ليقرأ التجربة التي يتصل بها العمل في اتساعها وتعقيدها، وكلما اتسعت المعرفة اتسع معها أفق قراءته.
ويحتاج، إلى جانب ذلك، إلى قدر من الوعي المنطقي الذي يحفظ له سلامة الاستدلال، وضبط المفاهيم، واتساق الأحكام؛ فلا يضع المصطلح في غير موضعه، ولا يستنتج ما لا تنهض به مقدماته. ولا أظن أن الناقد مطالب بأن يكون منطقيًّا بالمعنى الاصطلاحي، بقدر حاجته إلى عقل يعرف كيف يرتب الفكرة ويمتحنها قبل أن يطلقها.
أما العُدَّة الجمالية، فأراها بابًا آخر لا يقل أهمية؛ إذ لا يكفي أن يعرف الناقد كيف يقرأ، ما لم يعرف كيف يتذوق. وعليه أن يصغي إلى موسيقى العبارة، ويتلمس حركة الصورة، ويترك للعمل فرصة أن يُحدث أثره فيه قبل أن يسارع إلى تفكيكه. وأحسب أن تغذية هذا الحس لا تكون بالوقوف عند فن بعينه، وإنما بأن يبقى المرء في صحبة الفن عمومًا؛ فتحيط به الدهشة من جهاتها المختلفة، وتوقظ فيه الإحساس بفلسفة الجمال وما تفتحه من معانٍ.
وقد علّمني موقف شخصي ذلك على نحو لا أنساه؛ فقد كنت أستمع مرة إلى إحدى قصائد التفعيلة، وكان نمطها سرياليًّا، فانصرفت تلقائيًّا إلى تحليلها والبحث عن غايتها، وكأنني كنت أريد أن أصل إلى تفسيرها قبل أن أترك لها مجالًا لتصل إليّ. فقال لي أحد النقاد الذين أدين لهم بفضل كبير: «تذوّقي النص، واسمحي له بأن يدهشك من خلف حروفه، ولا تستعجلي في تحليله وتفكيكه».
بقيت هذه العبارة معي؛ لأنها لم تكن ملاحظة على طريقة قراءتي فحسب، وإنما كانت تنبيهًا إلى أن الناقد قد يفسد على نفسه لحظة التلقي حين يستدعي أدواته قبل أوانها. ومنذ تلك اللحظة صرت ألتفت إلى المسافة التي ينبغي أن أتركها بيني وبين العمل؛ فلا أتخلى فيها عن مهمتي، ولا أقتل القارئ الذي في داخلي. وربما كان الناقد الأجود هو من يعرف متى يستدعي أدواته، ومتى يؤخرها قليلًا؛ ليمنح الجمال حقه الأول في أن يدهشه.
ولذلك لا أرى أن عُدَّة الناقد تكتمل بكثرة الأدوات، وإنما بحسن استعمالها، وبقدرته على معرفة موضع كل أداة ووقتها؛ فالمعرفة التي لا توسّع أفقه قد تتحول إلى قيد، والتحليل الذي يسبق التذوق قد يحجب عنه بعض ما جاء العمل ليقوله. ولعل أصدق ما يمكن أن يملكه الناقد أن تتسع معرفته دون أن تضيق بها دهشته، وأن يزداد يقينه بأدواته دون أن يفقد قدرته على مراجعة ذلك اليقين.
وفي النهاية، يظل سؤال آخر علينا أن نطرحه: حين يمتلك الناقد هذه العُدَّة، فكيف له أن يتصرف أمام إرث نقدي عربي وتيارات حداثية؟ فهل ينحاز إلى أحدهما، أم أن مهمته أعمق من ذلك؟ وهذا ما نجيب عنه في المقال القادم، بإذن الله.