محسن علي السهيمي
أشرعت رؤية المملكة (2030) الباب واسعًا أمام الثقافة المحلية؛ لتتمدد -بكل أطيافها- رأسيًّا وأفقيًّا، وفي اتجاهات المشهد الثقافي السعودي كافة. ولعل من أبرز مظاهر هذا التمدد الكم الوافر من الفعاليات والأنشطة الثقافية المتنوعة، والبرامج والأمسيات المتعددة، وحركة التأليف والنشر المتعاظمة، سواء ما اندرج منها تحت «هيئة الأدب والنشر والترجمة»، ممثلةً في «الشريك الأدبي» وما يتبعه من مقاهٍ ثقافية وغيرها، أم ما اندرج منها تحت «المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي»، ممثلًا في جمعيات الأندية الأدبية ولجانها الثقافية، وجمعية الأدب المهنية وسفرائها، وغيرها من الجهات التي احتفت بالثقافة وعُنيت بها.
ربما تواطأ المجتمع، مثقفوه ومن سواهم، في فترة سابقة على أن للثقافة محاضن محدودة، ترعاها وتشرف عليها وتهتم بها، وتسعى إلى إظهار منجزاتها وإبراز الأسماء الفاعلة فيها، وأن هذه المحاضن تندرج تحت وزارة بعينها، هي وزارة الثقافة حاليًّا، وقبل ذلك وزارة الثقافة والإعلام، وقبلها الرئاسة العامة لرعاية الشباب. غير أن الحال قد تغيرت مع رؤية المملكة ( )؛ فقد فُتح المجال لأكثر من جهة، حكومية وأهلية، لتتولى جوانب ثقافية معينة بالرعاية والاهتمام، بالتنسيق مع وزارة الثقافة، ممثلةً في هيئة الأدب والنشر والترجمة، ومع المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.
ولأن الاهتمام بالثقافة وممارستها أصبحا مسؤولية مشتركة تقوم عليها وتتولاها جهات عدة، بالتنسيق مع الجهات المعنية، تبرز لنا هنا جهتان: إحداهما أهلية، وهي «جمعيات التنمية الأهلية»، والأخرى حكومية، وهي «البلديات». وتأتي الثقافة بالنسبة إليهما بوصفها غرضًا تقومان عليه وتهتمان به، ومع أنها لا تشكّل الأولوية التي لها الصدارة في الاهتمام والتنفيذ، فإنها تظل هدفًا أسمى تسعى هاتان الجهتان إلى تحقيقه، وغايةً مثلى تُذلَّل من أجلها الصعوبات.
وما يمكن التأكيد عليه هو أن فاعلية هاتين الجهتين في الاهتمام بالهم الثقافي تظهر أكثر ما تظهر في المحافظات الطرفية النائية عن المركز، وخصوصًا المحافظات التي لا توجد فيها مؤسسات ثقافية تُعنى بالثقافة وتهتم بها، كجمعيات الأندية الأدبية، والشريك الأدبي، والجمعيات الأدبية، والمقاهي الثقافية. وهنا تظهر أهمية هاتين الجهتين في القيام بما يمكن تجاه الثقافة؛ رعايةً واهتمامًا ونشرًا وتكريمًا. وقد قرأت وشاهدت -من خلال الوسائط المتعددة- بعض الفعاليات الثقافية في أكثر من جهة من وطننا الكبير، قامت عليها هاتان الجهتان مباشرة، أو شاركتا الجهات المعنية في تنفيذها ورعايتها.
ولعلني أضرب مثالًا ظاهرًا من محيطي المعيش، وتحديدًا من محافظتي، محافظة العُرضيات، في أقصى جنوب منطقة مكة؛ إذ قامت فيها قبل عشر سنوات لجنة ثقافية تابعة لأدبي جدة، واستمرت أربع سنوات، قدمت خلالها عملًا ثقافيًّا عُني بثقافة المحافظة ومثقفيها، وشهدت فعالياتها وبرامجها تفاعلًا رائعًا، حتى توقفت؛ نظرًا إلى ارتباطات بعض أعضاء مجلس إدارتها آنذاك، ومغادرة بعضهم إلى مناطق أخرى اقتضتها مصالحهم.
ولأن المحافظة لم تشهد بعد ذلك قيام أي مؤسسة ثقافية تُعنى بالعمل الثقافي وتهتم بمثقفي المحافظة، فقد ارتأت «جمعية التنمية الأهلية بالعُرضية الشمالية» في محافظة العُرضيات أن تقوم بما يمكن تجاه ثقافة المحافظة ومثقفيها، أسوةً بما قامت به في مجالات الرياضة والفنون والمناسبات الوطنية والاجتماعية كافة. فكان من أمرها أن نظمت، مشكورةً، قبل أشهر -في أولى خطواتها المباشرة للعناية بثقافة المحافظة ومثقفيها- أمسية احتفائية بكتابي الصادر أخيرًا «العُرضيات في حرفي..»، بوصفه شأنًا ثقافيًّا يُعنى بالمحافظة وثقافتها.
وجاء هذا الاحتفاء من جمعية التنمية الأهلية بالعُرضية الشمالية بالشراكة مع جهة حكومية في المحافظة، هي «بلدية العُرضية الشمالية» بمحافظة العُرضيات، التي هيأت قاعتها الملحقة بمركزها الحضاري لتلك الاحتفائية، وقامت بما يلزم تجاهها، وكذلك بالشراكة مع «جمعية أضواء للثقافة والأدب» بمحافظة القنفذة. وهنا لا يفوتني أن أشير إلى ما قامت به جمعية التنمية الأهلية في قَنَا بمحافظة محايل عسير قبل سنتين ونصف السنة، حينما نظمت، مشكورةً، أمسية احتفائية بديواني «قَنَا.. قوافٍ وشجن»، بوصفه شأنًا ثقافيًّا يُعنى بقَنَا إنسانًا ومكانًا.
وما يمكن قوله في ختام هذا النثار أمران:
الأول: أن المحافظات والمراكز الطرفية التي لا توجد فيها مؤسسات ثقافية تهتم بالشأن الثقافي ينبغي أن يُلتفت إليها ثقافيًّا من قِبل الجهات الحكومية والأهلية، ولا سيما البلديات وجمعيات التنمية، وأن تُعطى هاتان المؤسستان ضوءًا أخضر صريحًا ومستمرًّا، وخصوصًا أنهما تتميزان بتعدد مهامهما وتنوع برامجهما.
الثاني: أن لجمعيات التنمية والبلديات كافةً جهودًا واضحة وملموسة في تنمية المجتمع، ولها إسهاماتها الفاعلة في المجالات الرياضية والفنية، وفي المناسبات الوطنية والاجتماعية كافة. ومن حق الثقافة عليها أن تكثف اهتمامها بها، وأن تحظى منها بالعناية المستحقة والمستمرة، كالتي رأيناها في العمل المشكور الذي قامت عليه المؤسسات السالف ذكرها.