سليم السوطاني
تتكرر مفردة «السراب» كثيرًا في تراثنا العربي، وتحضر في نصوص الأدباء من العصور القديمة حتى عصرنا الحاضر، كما وردت في النصوص الدينية، ولم تخلُ أقوال العلماء من ضرب المثل بها؛ للدلالة على رمزية غير محمودة لمن سلك الطريق الخطأ، فاغترّ بشيءٍ خدعه، فانقاد خلفه حتى انتهى إلى الهلاك، مثقلًا بالحسرة والخيبة.
وعندما نتتبع هذه المفردة نجدها غالبًا ما ترد في سياق الخداع و«اللاشيء»؛ فهي في كثير من استعمالاتها رمزٌ للانكسار والفراغ. وعلى النقيض من ذلك، نجد بعض الأدباء يوظفون السراب بوصفه وميض أمل يلوح للحائر، فيظل متشبثًا به، لعلّه يجد فيه ما يبدّد حيرته ويخفف قلقه.
فالسراب كلمة قد ترد وحيدة في السياق الشعري أو النثري، لكنها تحمل في طياتها حالةً نفسية قلقة، تتوارى خلفها مشاعر مضطربة مثقلة بالتوجس والتيه، وتشير في معظم دلالاتها إلى ضياعٍ وفراغٍ لا متناهٍ.
يقول الله تعالى:
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا).
[سورة النور: 39].
وقد ورد في تفسير الطبري: «حتى إذا جاء الظمآن السرابَ ملتمسًا ماءً يستغيث به من عطشه، لم يجده شيئًا». فشُبِّه الكافر، الذي يظن أعماله عظيمة نافعة، بالظمآن الذي يرى السراب ماءً يروي عطشه، حتى إذا بلغه وجده عدمًا لا حقيقة له.
كما حضرت هذه المفردة في الشعر العربي، معبّرة عن حالات التيه والحسرة والانكسار النفسي. يقول الشاعر السعودي محمد السنوسي:
حين كُنّا، ولا تسلْ كيف كنّا
نعصرُ الماءَ من أديمِ السرابِ
فقد وردت مفردة «السراب» هنا في سياق الشقاء والمعاناة، وتصوير قسوة الزمن الذي يبث الشاعر شكواه وتباريحه والحياة الصعبة التي كابدها...
وترد كذلك في سياق الخداع الذي يواجه الإنسان الباحث عن ملجأٍ أو طمأنينةٍ لروحه، كما عند أبي العلاء المعري، إذ يقول:
دنياكَ مِثلُ سَرابٍ إنْ ظَنَنْتَ بِها
ماءً فَخَدْعٌ، وإنْ عَضْبًا فَتَهْويلُ
فهو يقابل بين من يبالغ في التفاؤل بالدنيا، ومن يبالغ في تصوير قسوتها، ليؤكد أن النظرة المتزنة هي الأقرب إلى الحقيقة؛ إذ إن الإفراط في التعلق بها خداع، والإفراط في التشاؤم منها تهويل.
ومن هنا، ينبغي لقارئ النص الأدبي أن يتوقف طويلًا عند رمزية الأشياء المتكررة في أعمال الأدباء، والتي يلح الأديب في ترديدها في ثنايا نصه أو نصوصه، وأن يتأمل دلالاتها بعمق؛ فالأديب لا يميل غالبًا إلى المباشرة في إيصال معانيه وصوره، وإنما يصوغها عبر خيالٍ عاطفي ولغة موحية، يترك للقارئ مهمة سبر أغوارها واكتشاف أبعادها الخفية.