مهدي آل عثمان
لم يعد غياب الطلاب عن المدارس مسألة يوم عابر أو مقعد فارغ داخل فصل دراسي، بل أصبح مؤشراً يستحق الوقوف عنده بجدية، خصوصاً بعد أن كشف تقرير PISA 2025 الصادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD أن نحو 66 % من الطلاب في المملكة ممن شملتهم الدراسة أفادوا بأنهم تغيبوا يوماً دراسياً كاملاً واحداً على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار، مقابل متوسط بلغ 22 % في دول المنظمة. وهي نسبة مرتفعة لا ينبغي أن تمر باعتبارها رقماً في تقرير دولي فحسب، بل ينبغي أن تدفعنا إلى مراجعة ثقافة الحضور والانضباط في مدارسنا.
ولعل العاملين في الميدان التعليمي يلاحظون بوضوح أن مشكلة الغياب تزداد في أيام بعينها، ومن أبرزها يوم الخميس، والأيام التي تسبق الإجازات أو تليها، حتى أصبح بعض الطلاب والأسر يتعاملون مع تلك الأيام وكأنها أيام دراسية قابلة للاختيار وليست جزءاً أصيلاً من العام الدراسي.
ومع تكرار المشهد تتحول المخالفة الفردية إلى ثقافة اجتماعية يصعب علاجها بمجرد رسالة نصية أو تنبيه عابر.
لكن من الخطأ أن نلقي المسؤولية كاملة على الطالب. فظاهرة الغياب لها أطراف متعددة، وكل طرف يتحمل جانباً منها.
المعلم أول هذه الأطراف بعد الطالب والأسرة، لأن الحصة الدراسية الجادة والجاذبة تجعل حضور الطالب ذا قيمة. أما عندما يشعر الطالب أن اليوم السابق للإجازة أو يوم الخميس لن يقدم فيه درس جديد، أو أن بعض الحصص ستكون شكلية، أو أن الغياب والحضور لن يصنعا فارقاً، فإننا بقصد أو بدون قصد نقدم له مبرراً للغياب.
ولهذا فإن انتظام المعلم في أداء حصصه بكامل مسؤولياتها حتى آخر يوم وآخر حصة يمثل جزءاً أساسياً من علاج المشكلة. فالانضباط لا يمكن أن نطلبه من الطالب بينما يلمس التراخي ممن يفترض أن يكون قدوته.
ثم تأتي الأسرة، وهي الشريك الذي لا يمكن للمدرسة أن تنجح بدونه. فبعض أولياء الأمور قد يستجيب لرغبة ابنه في الغياب قبل الإجازة، أو يعتبر يوم الخميس أقل أهمية من بقية الأيام، وربما يقدم له العذر دون ضرورة حقيقية. وهنا تتشكل لدى الطالب قناعة خطيرة بأن الالتزام قابل للتفاوض. والأصل أن يدرك ولي الأمر أن انتظام ابنه في الدراسة جزء من مسؤوليته التربوية، وأن المدرسة ليست مكاناً يُحضر إليه الطالب عندما يرغب ويغيب عنه عندما يشاء.
أما المدرسة، فلا يكفي أن تسجل الغياب في النظام الإلكتروني ثم ينتهي دورها. فقواعد السلوك والمواظبة تلزم المدرسة بمتابعة الغياب، وإشعار ولي الأمر، واتخاذ الإجراءات الوقائية والتربوية والعلاجية، كما تنص على إحالة الحالات المتكررة للتوجيه الطلابي ودراسة أسبابها. وتبدأ الإجراءات التصاعدية عند بلوغ نسب معينة من الغياب غير المقبول، بما في ذلك الإنذار واستدعاء ولي الأمر والتعهد والمتابعة والإحالة لإدارة التعليم بحسب مستوى الغياب.
وهنا تكمن القضية: ليست المشكلة في غياب الأنظمة، بل أحياناً في ضعف التطبيق أو تفاوت تطبيقها من مدرسة إلى أخرى. وحين يعلم الطالب أن الغياب سيسجل فعلياً، وأن ولي أمره سيبلغ في اليوم نفسه، وأن تكراره سيقابله إجراء واضح لا يستثني أحداً، فإن قيمة الانضباط ترتفع. أما إذا سجل الغياب بصورة شكلية، أو تم التساهل في الأعذار، أو لم تتبع المدرسة إجراءاتها، فإن النظام يفقد أثره التربوي.
ومن الحلول التي تستحق الدراسة إنشاء نظام تحضير إلكتروني للطلاب مرتبط مباشرة بنظام نور، يحاكي في فكرته الأنظمة الإلكترونية المعتمدة في إثبات حضور منسوبي التعليم، بحيث يتم إثبات حضور الطالب أو غيابه بصورة آلية عند دخوله المدرسة، مع تقليل التدخل البشري قدر الإمكان. ويمكن أن يكون ذلك من خلال بطاقة ذكية أو سوار إلكتروني مزود بشريحة تُصرف لكل طالب، وترتبط مباشرة بالنظام لإثبات الدخول والخروج والحضور الفعلي داخل المدرسة.
ومن شأن هذا النظام أن يعزز العدالة والدقة، ويحد من التحضير الصوري أو تعديل حالات الحضور والغياب دون مبرر، ويتيح لولي الأمر والمدرسة وإدارة التعليم الاطلاع الفوري على حالة الطالب. كما يمكن ربطه بإشعارات مباشرة لولي الأمر عند غياب ابنه، وإحصاءات دقيقة تكشف أنماط الغياب، خصوصاً في أيام الخميس وما قبل الإجازات وبعدها، بما يساعد على التدخل المبكر قبل أن يتحول الغياب إلى عادة.
والعقوبة وحدها ليست الحل. نحن بحاجة إلى منظومة تجمع بين الحزم والتحفيز. فمن المناسب أن تكون هناك متابعة مركزية لمؤشرات الغياب في المدارس، وأن تظهر بوضوح نسب الغياب يوم الخميس وما قبل الإجازات وبعدها، وأن تُساءل المدرسة التي ترتفع لديها النسب بصورة غير طبيعية عن أسبابها وخططها العلاجية، أو إذا ثبت وجود تحضير صوري للطلاب في النظام خلاف الواقع. وفي المقابل، ينبغي تكريم المدارس والفصول والطلاب الأكثر انضباطاً، وربط الحضور ببرامج تحفيزية تجعل الالتزام قيمة إيجابية لا مجرد خوف من العقوبة.
كما أن من المهم عدم تحويل أيام ما قبل الإجازات إلى أيام هامشية. ينبغي أن تستمر الدروس والتقويم والأنشطة التعليمية بصورة طبيعية، وأن يدرك الطالب والأسرة منذ بداية العام أن كل يوم دراسي له قيمة تعليمية حقيقية. وحين تصبح الحصة ذات مضمون، والمدرسة حازمة، والمعلم حاضراً بفاعلية، والأسرة متعاونة، سينخفض الغياب تلقائياً.
لقد أكدت وزارة التعليم في وقت سابق، استناداً إلى بيانات دراسات دولية، أن الطلاب المتفوقين في الرياضيات والعلوم ينتمون بدرجة أكبر إلى مدارس لا تعاني مشكلة الغياب، وهو ما يوضح الصلة بين الانتظام والتحصيل الدراسي. كما يشير تقرير PISA 2025 إلى وجود ارتباط سلبي بين التغيب والأداء الدراسي في معظم الدول والاقتصادات المشاركة.
إن نسبة الـ66 % التي أظهرها PISA ليست رقماً ندافع عنه أو نبحث له عن مبررات، بل جرس إنذار يستحق أن نستمع إليه. ثم إن معالجة الغياب لا تحتاج مزيداً من التعاميم بقدر حاجتها إلى تطبيق فعلي، وحصة دراسية جادة، وأسرة حازمة، ومدرسة لا تتهاون، ونظام إلكتروني يضمن دقة الحضور، وطالب يعرف أن الحضور مسؤولية وليس خياراً.
فإذا أردنا نواتج تعلم أفضل، فلا يمكن أن نبحث عنها في فصل فارغ. والانضباط المدرسي يبدأ من حقيقة بسيطة: كل يوم دراسي مهم، وكل حصة لها قيمة، والغياب المتكرر خسارة تعليمية لا تعوضها الأوراق ولا الأعذار.