إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
حين يخطو الإنسان خطاه على أديم الأرض، لا يكون الانتقال مجرد اجتياز لإحداثيات جغرافية صماء، بل هو حفر عميق في روحه بحثاً عن تاريخ موازٍ لوجوده، في صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون بالرياض، افتتح معهد مسك للفنون نافذة هذا الحدث الثقافي، تتناسل الأسئلة الكبرى حول معنى أن نرحل ونترك أثرنا في ثنايا المكان. يأتي معرض «على امتداد الطريق» ليقلب المفاهيم المستقرة مستلهماً عراقة الرحلات التاريخية وفي مقدمتها ملحمة ابن بطوطة ليغدو السفر مرآة تكشف خبايا الذاكرة والوجدان الإنساني، يلتئم في هذا الفضاء الاستثنائي الذي شمل أربعة وثلاثين فناناً وستة وخمسين عملاً تتنوع بين الرسم، النحت، التصوير، والممارسات الرقمية، محولة الخرائط إلى مساحات من البوح والمشاعر.
تتكسر في هذا المعرض حدود المساحات التقليدية فالزائر لا يعبر القاعات كمتفرج عابر إنما يسير كرحالة تكتنف روحه الدهشة؛ إذ تتشابك خيوط أعمال الرعيل الأول مع تجارب الحداثة لتنسج معاً حواراً أجيالياً متصلاً، تنطلق الرحلة البصرية مع منى السعودي في سلسلة «تحية إلى محمود درويش» وعملها «قصيدة الرمل»، حيث ينسج الخط الأسود كتلة من الوجوه المتراصة في هيئة واحدة محاطة بحقل كثيف من أبيات «قصيدة الأرض»، لتغدو اللغة وطناً تسكنه الأجساد والقصائد معاً. ولا يبتعد ضياء العزاوي في رائعته «إرادة الحياة» عن هذا الاشتباك الرفيع مترجماً إيقاع أبيات أبو القاسم الشابي عبر تكوينات لونية زاهية من البرتقالي والأصفر والأخضر متداخلة مع خطوط سوداء تستدعي قمم الجبال والأحراش كخارطة بصرية لإرادة البقاء.
وفي عمق السريالية ذات المرجعية المحلية تبرز لوحة عبد العظيم شلي «مشاعر دفينة» لتذوب فيها الأشكال العضوية في امتداد الشاطئ مرسمة خارطة نفسية للقلب الباطن تتداخل فيها التجربة الداخلية مع قسوة الصحراء وسحرها. وإلى ضفاف الخليج العربي يأخذنا جعفر العريبي في «بحيرة الملح» متأمل البيئة الهشة للسبخات الملحية عبر تضاريس متآكلة وألوان أحادية تسائل علامات الزمن والتدخل البشري. بينما تغوص زاهية الردادي في «في مكان البحر» عبر شخصيات ملفوفة بأغطية واسعة تقف على شطآن مظلمة، لتخلق فضاءً بينياً يعج بإحساس الوصول والانتظار وسط أوعية زجاجية مقلوبة توحي بالتجذر وقابلية للكسر.
تتواصل الحكاية مع مضاوي القويز في «ألقيت يدي» حيث تتحول شجرة الكاشو إلى موضوع يراوح بين الجمال والخطورة، مانحة المتلقي فضاءً ذهنياً بطيئاً يتأمل فيه حركة الفكر الداخلي. وعلى مقربة من ذلك، يشتغل مروان رشماوي في عمله «الأقمار الصناعية» على ترجمة الصور الفضائية إلى أسطح ملموسة تكشف الطبقات التاريخية والاجتماعية الكامنة خلف البنى الحضرية. ويتقاطع مع هذا الهم الإنساني فهد حواري في لوحته «القلب المكسور»، ليستكشف التفاعل بين الملموس والميتافيزيقي بأسلوب سريالي تندمج فيه الأجساد لترسم خارطة لمشهد متحول من الحزن والعبور.
تتفتح أكمام الذاكرة أكثر مع رابية أختار في «الجانب المشرق» عبر استلهام دقة المنمنمات لتقديم مشهد طبيعي يوازن بين التوتر والهشاشة، بينما تستكشف أسماء الجهني في تركيبها «ما بقي فينا» مفهوم النقل الداخلي للذاكرة عبر صرة قطبية مَصْبُوغَة تتوسط المدارات، مذكرة بأن أعمق أثر للرحلة هو ما تتركه في الروح. وفي أفق موازٍ، يستحضر عبد الله المحراقي قوارب السفن الخشبية وسفن الداو التراثية، رابطاً تاريخ العمل البحري بذاكرة الخليج، بينما يأخذنا لوران مارشال في عمله التفاعلي «هنا» إلى قصيدة بصرية تتطاير حروفها العربية والإنجليزية مع كل خطوة يخطوها الزائر على أرضية مظلمة، لتغدو الكلمات خريطة وجدانية مؤقتة.
تتعدد أصوات المعرض لتشمل منال الضويان في سلسلتها «مشهد من طبيعة الفكر»، حيث تتراكب الرموز فوق مشاهد بالأبيض والأسود لمساءلة التمثيل الثقافي، بينما تستلهم أسماء باهميم تقاليد المنمنمات في «بيتي في رأسي» لتقدم ورقة ممزقة توحي بأن المعرفة تتشكل عبر العبور والفقدان. ويهب حاتم الأحمد في «أصداء مجنة» صوتاً غامراً لأبراج الحمام الزاجل وقوافل التاريخ، بينما يفكك أنور خليفي في «سير» الصور النمطية الاستشراقية عبر ألوان جريئة، ويحول محمد سيام في «جبل عرفة» مناسك الحج إلى رؤية روحية تنبض بالخشوع على سفح الجبل.
تتوالى المحطات لتشمل استلهام صفية بن زقر لسفينة الصحراء في «تشكيل الإبل»، وثقل السراب الذي يرسمه تيودروس هاغوس في «عبور الصحراء»، وتحويل بسمة فلمبان لمناسك الحج إلى فضاء تبادل ثقافي في «مقادير». كما تعكس عدسة ريم الفيصل في «ميناء جدة» سكون الأرصفة خارج الزمن، وتستكشف فلوة ناظر هشاشة الجسد في «أنماط متغيرة»، بينما توثق عدسة معاذ العوفي الجدران المهمشة في «جدران رقيقة».
تتألق سارة العبدلي في «مكة» بمزج المخطوطات بالعمارة الروحية، وتقدم أنجو دوديا تأملاً في البنى الهشة للذاكرة في «قارئة الخرائط»، ويتعاون غاوري جيل وراجيش فانغاد في «مسكن» لاستكشاف التحولات البيئية.
تكتمل ملامح المعرض مع زياد دلول في «كتاب المدن» الذي يزاوج بين الشعر والتشكيل عبر ألوان ترابية خافتة، وهدى ترجمان في «أقدار منجرفة» التي ترسم قوارب وأراضٍ عائمة بين الهشاشة والانتماء، وسارة المطلق في سرديتها المستقبلية. وتنسج هيفاء القويز عتبات ارتحالها المعماري، بينما يختتم محمد أمين حمودة هذه الملحمة البصرية في «خرائط الواحة» مستخدماً أصباغ الطبيعة من مخلفات النخيل لتعكس التنظيم الهندسي لجداول الحياة.
أصوات من أروقة الإبداع
صدى الجذور المعلقة في عالم هدى ترجمان
تقف الفنانة هدى ترجمان أمام أعمالها لتفتح باباً واسعاً على فضاءات الوجدان والذاكرة المتشعبة، مستهلة حديثها باستعراض جذورها المعلقة بين سوريا، سويسرا، والمغرب، لتؤكد أن تلك النشأة الاستثنائية زرعت في أعماقها إدراكاً مبكراً لمعاني الهوية المشتتة والبحث الدائم عن موطئ قدم. تسترجع ذكريات طفولة ومراهقة مبكرة كانت تستشعر فيها ذلك الشعور الخفي بالانتماء إلى أفق واسع بلا حدود محددة، وهو ما يعبر عنه بمفهوم تعدد الهويات الذي يشكل جوهر تجربتها الإنسانية والتشكيلية. ومع توالي سنوات العمر واتساع مداركها البصرية، أدركت أن هذا التباين الحاد في الجغرافيات لم يكن سوى منحة كبرى منحتها مرونة هائلة وقدرة فائقة على التكيف والتأقلم السريع مع مختلف الثقافات، فضلاً عن تفكيك حواجز الخوف والانفتاح الكلي على الآخر.
وعندما تنتقل للحديث عن عمليها المشاركين في معرض «رحلات وترحال»، تشير بعمق إلى استلهامها المدهش لسيرة طائر «الخطاف»، ذلك الكائن الصغير الذي يقطع أطول رحلات الهجرة في عالم الحيوان، محمولاً على جناحين من الهشاشة المطلقة والقوة الكامنة، في إسقاط فني بليغ على النفس البشرية التي لا تدرك مخزونها الهائل من التحمل إلا حين تواجه اختبار العبور الأكبر. وتوضح أن اختيارها للخلفيات الذهبية لا ينفصل عن استدعاء أسطورة «إلدورادو» والبحث الأبدي عن اليوتوبيا وحياة أرغد، بينما تجسد الأراضي والعناصر العائمة في منتصف اللوحات تلك المنطقة الرمادية الفاصلة والمعلقة بين الوطن الأول والمهجر المستضيف. تختتم ترجمان تأملاتها بالإشارة إلى رمزية القوارب العالقة في قلب الطبيعة، لتصبح تلك القوارب مساحات صامتة تختزن طاقة جبارة تدعو المتلقي إلى التأمل في شجاعة الرحيل نحو المجهول.
فلسفة المكان وعدم الانتماء مع لوران مارشال
يأخذنا الفنان لوران مارشال في رحلة عقلية وبصرية موازية، منطلقاً من أفق العاصمة الفرنسية باريس ليحط رحاله في الرياض عبر عمله التركبي التفاعلي والفريد الموسوم بـ «هنا». يستهل مارشال حديثه بالتعبير عن عميق امتنانه لدعوة المعرض، مؤكداً أن عمله يمثل قصيدة بصرية حية تتناول إشكالية الانتماء، وعدم الانتماء، وتلك الحيرة الوجودية التي تلاحق الإنسان وهو يبحث عن هويته الخاصة متأرجحاً بين أكثر من جغرافية.
يلفت الانتباه إلى أن حالة العديد من الفنانين والمثقفين اليوم تشبه إلى حد كبير حالته، إذ يعيشون بأرواحهم بين أوطانهم الأصلية وعواصم اغترابهم، محكومين بالإقامة الدائمة في تلك المنطقة الرمادية التي تذوب فيها الحدود الثابتة. وفي عمله التركبي، تتدفق الكلمات المكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية لتنثر نفسها على أرضية مظلمة، وتتحول مع كل خطوة يخطوها الزائر إلى تفاعل عضوي مذهل؛ إذ تتفكك الحروف وتتطاير مثل ذرات الرمل في مهب الريح، لترسم خريطة وجدانية مؤقتة تعكس محاولاتنا المستمرة لتثبيت مفاهيم «هنا» و»هناك» في عالم متغير لا يقف على قاعدة ثابتة.
يرى مارشال أن هذا التفاعل المادي المباشر بين جسد المتلقي والنص يحول المعرض إلى مساحة تفاوض مستمرة حول معنى الاستقرار والعبور.
قسوة الصحراء وثقل السراب في رؤية تيودروس هاغوس
يغلق الفنان تيودروس هاغوس دائرة الحوارات بأبعاد إنسانية ووجودية بالغة القسوة والعمق، منطلقاً من جذوره الإثيوبية وإقامته الحالية في بلجيكا ليسلط الضوء على المحور الأساسي الذي تحرك بسببه ريشته، ألا وهو ظاهرة الهجرة والنزوح البشري الكبير والأسباب الدافعة للأفراد نحو مغادرة ديارهم هرباً من جحيم القهر والبحث عن الأمان.
يركز هاغوس في أعماله على أولئك الرحالة المنسيين الذين يعبرون الصحاري القاحلة والمترامية الأطراف، موضحاً أن وعورة الصحراء لا تكمن فقط في قسوة جغرافيتها الفيزيائية، بل في الثقل الهائل الذي يحمله المهاجر في صدره من ذكريات مثقلة بالحنين، وأحلام مؤجلة، ومخاوف لا تنتهي تجاه مستقبل غامض لا يحمل أي ضمانات. ومن هنا يتولد الاختيار البليغ لعنوان «سراب» ليترجم بدقة متناهية تلك الحالة النفسية المعلقة للرحالة بين الوعد الكاذب والتحقق المستحيل، حيث تتلاشى المسافات وتتبدل المعالم.
يؤكد هاغوس في ختام حديثه أن أعماله ليست مجرد تمثيل بصري للرحلة، بل هي دعوة مفتوحة لكل مشاهد ليعيد التفكير في المعنى الحقيقي للوطن، والانتماء، وتلك الخريطة الخفية التي ترسمها أقدام التائهين بحثاً عن النور وسط عتمة التيه والعبور.
خريطة الوعي التي لا تنتهي وتجليات معهد مسك للفنون
حين يسدل الستار على تفاصيل هذا المعرض الفريد، يبقى الأثر البصري والوجداني عالقاً في الذاكرة كخريطة لا تحتويها الأوراق. إن معرض «على امتداد الطريق» لم يكن مجرد استعراض لأعمال فنية متميزة إنما هو دعوة مكاشفة ومصارحة مع الذات الإنسانية عبر ترحال طويل في أزمنة الذاكرة والمكان. يغادر الزائر قاعات العرض حاملاً في أعماقه إجابات جديدة لأسئلة قديمة، متيقناً بأن الرحلة الحقيقية إنما تبدأ حين نتوقف عن عد الأميال ونشرع في قياس مسافات الروح.
يأتي هذا الإنجاز الثقافي ليجسد بامتلاء الدور الريادي الذي يضطلع به معهد مسك للفنون، المنظمة الثقافية غير الربحية التابعة لمؤسسة محمد بن سلمان «مسك» منذ تأسيسه عام 2017. يعمل المعهد باقتدار على تنمية مجتمع إبداعي مزدهر عبر تمكين الفنانين، وتوفير فرص التعليم والخبرة المتقدمة وتطوير برامج فنية تعزز الممارسات الإبداعية وتقرّب الفن من نسيج المجتمع. من خلال إتاحة مساحات رحبة للتعلم والإبداع والتبادل الثقافي ودعم المواهب الفنية الواعدة يواصل معهد مسك للفنون ترسيخ حضور الثقافة والفنون البصرية في المشهد المحلي والعالمي ليظل منارة تحتفي بالإنسان وبصوته الخالد عبر مسافات الوجود والجمال.
** **
X: AL_KHAFAJII