علي بن عبدالله علي الوهابي
في سوق عمل يتغير بسرعة مذهلة لم يعد السؤال الأجدر بالاهتمام: كم دورة تدريبية حصل عليها الموظف؟ بل أصبح التساؤل الأكثر إلحاحًا..ماذا أتقن بعد التدريب؟ وما الأثر الذي أضافه إلى عمله؟
هذه ليست دعوة للتقليل من أهمية التدريب بل هي دعوة أعمق لإعادة تعريفه وضبط بوصلته؛ فالمملكة تستثمر بصورة استثنائية في تنمية رأس المال البشري رابطة تطوير المهارات بمستهدفات رؤية 2030. وشهد عام 2025 أرقامًا كبيرة تعكس حجم الاهتمام الرسمي..إذ تجاوز إنفاق صندوق تنمية الموارد البشرية على برامج دعم التدريب والتمكين والإرشاد 8.296 مليار ريال واستفاد من برامجه أكثر من مليوني مواطن ومواطنة كما ساهم الصندوق في توظيف نحو 562 ألف مواطن ومواطنة في القطاع الخاص خلال العام نفسه.
هذه الأرقام الكبيرة تكشف بوضوح عن حجم الدعم والاستثمار في الإنسان لكنها في المقابل تفرض تساؤلًا مشروعًا.. ما مقدار الأثر الحقيقي لهذا الإنفاق على مهارات الموظفين وإنتاجيتهم الفعلية؟
الشهادة ليست هي المهارة في الميدان قد تجد موظفًا يحمل في ملفه الوظيفي عشرات الشهادات والدورات لكنك حين تنقله من مقاعد قاعة التدريب إلى بيئة العمل الحقيقية قد لا تجد الأثر المتوقع.
قد يحفظ الموظف اسم الدورة وتاريخ الحصول عليها وربما يستعرض محتويات الحقيبة التدريبية بدقة لكنه عندما يواجه مشكلة عملية تتطلب حلًا فوريًا يجد نفسه أمام واقع مختلف تمامًا عما قرأه في الشرائح والعروض التقديمية.
وهنا تكمن الإشكالية..التدريب الذي ينتهي عند حدود الحصول على الشهادة لم يحقق هدفه المنشود فالغاية الكبرى من التدريب ليست أن نضيف ورقة جديدة إلى الأرشيف الوظيفي بل أن نبني قدرة حقيقية ومهارة راسخة لدى الإنسان.
أرقام ضخمة ومسؤولية أكبر..
خلال النصف الأول من عام 2025 استفاد أكثر من 1.45 مليون شخص من برامج التدريب والتمكين والإرشاد فيما تجاوز الإنفاق 3.77 مليارات ريال خلال الفترة ذاتها وفي الربع الأول من العام نفسه أبرم صندوق تنمية الموارد البشرية شراكات نوعية في التدريب المرتبط بالتوظيف بقيمة دعم تجاوزت 681 مليون ريال وشملت قطاعات حيوية مثل الطاقة والمياه والخدمات اللوجستية والملاحة الجوية والعقارات والإنشاءات والتقنية
هذه المؤشرات تدل على أن الاستثمار في الإنسان هو الخيار الأبقى والأثرى وكلما ارتفع حجم الإنفاق تعاظمت بالضرورة المسؤولية وضرورة قياس العائد بدقة من حق الاقتصاد الوطني أن يعرف ماذا أنتجت هذه البرامج؟
ومن حق المنشأة أن تتأكد..هل أصبح موظفوها أكثر كفاءة وإنتاجية؟
ومن حق الموظف أن يحصل على تدريب يُحدث تحولًا حقيقيًا في قدراته المهنية لا مجرد شهادة تُضاف إلى رصيده الشكلي.
من الحقيبة التدريبية إلى واقع العمل
لقد حان الوقت لتجاوز الأساليب التقليدية في التدريب..فالحقيبة التدريبية أداة مهمة لكنها ليست التدريب كله الموظف لا يعمل داخل حقيبة ورقية بل يعمل في مكتب أو مصنع أو مستشفى أو شركة أو ورشة أو موقع مشروع ويصطدم يوميًا بتحديات واقعية لا توجد بالضرورة في النظريات.
من هنا يجب أن يرتبط التدريب بالواقع ارتباطًا وثيقًا:
من يتدرب على إعداد التقارير يجب أن يُكلّف بصياغة تقرير حقيقي وفعلي.
ومن يتدرب على تحليل البيانات يجب أن يتعامل مع أرقام حقيقية خاصة ببيئة عمله.
ومن يتدرب على الإدارة أو خدمة العملاء يجب أن يواجه حالات تحاكي بدقة ما سيقابله في ميدان العمل، هنا فقط نتمكن من الإجابة عن السؤال الصعب.. هل تعلم الموظف حقًا أم أنه اكتفى بالحضور؟
نحو معايير أعمق للقياس والرقابة
تتحرك وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في الاتجاه الصحيح، فقد ألزمت المنشآت التي تضم 50 عاملًا فأكثر بالإفصاح عن بيانات التدريب عبر منصة (قوى) بما يشمل ساعات التدريب وأعداد المتدربين والميزانيات المرصودة بهدف بناء مؤشرات دقيقة تسهم في تحسين جودة المخرجات ورفع الإنتاجية وهو توجه سليم فما لا يُقاس يصعب تطويره
لكن الخطوة الأعمق والأجدر بالتفعيل هي قياس مخرجات التدريب على المدى المتوسط:
هل تحسن أداء الموظف الذي درس إدارة المشاريع في مشاريعه القادمة؟
وهل أصبح القائد الذي حضر دورة قيادية أكثر قدرة على إدارة فريقه وتوجيهه؟
ومثلما نراقب معاهد التدريب في تراخيصها ومدربيها وحقائبها يجب أن تمتد الرقابة إلى جودة المخرج النهائي..هل يستطيع المتدرب بعد انتهاء البرنامج أن يؤدي العمل بمهارة حقيقية؟ هذا السؤال أبلغ وأبقى من مجرد التحقق من كشف الحضور.
سوق العمل يريد مهارة لا شهادة..
في تقرير مستقبل الوظائف 2025 أشار المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن فجوة المهارات تمثل أحد أكبر العوائق أمام تحول الأعمال إذ يرى 63 % من أصحاب العمل عالميًا أن فجوة المهارات عائق رئيسي أمام تحول أعمالهم بينما يُتوقع أن تتغير نحو 40 % من المهارات المطلوبة في الوظائف بحلول عام 2030. واللافت في الحالة السعودية أن 38 % من الشركات السعودية تتوقع إزالة اشتراط الدرجة الجامعية لتحسين قدرتها على استقطاب المواهب مقابل 19 % عالميًا.
هذه المؤشرات تعكس تحولًا مهمًا في سوق العمل..لم تعد الشهادة وحدها كافية وأصبح امتلاك المهارة والقدرة على التطبيق عنصرًا أكثر أهمية في الحصول على الوظيفة والاستمرار والتطور فيها ومن هنا تتألق أهمية توجه المملكة نحو المجالس القطاعية للمهارات ومواءمة مخرجات التدريب مع الاحتياجات الفعلية للقطاعات الاقتصادية.
نموذج عملي لقياس التدريب..
إن الحل الأقرب للواقع يكمن في تعزيز التدريب على رأس العمل والمحاكاة والمشروعات التطبيقية عبر نموذج عملي واضح:
قبل التدريب: ما المشكلة التي نسعى إلى حلها؟
أثناء التدريب: ما المهارة الأساسية التي سيكتسبها الموظف؟
بعد التدريب: هل نجح في تطبيقها ميدانيًا؟
بعد ستة أشهر هل انعكس ذلك إيجابًا على أداء الفرد والمنشأة؟
بهذه الطريقة يصبح التدريب وسيلة لرفع الكفاءة، وليس مجرد نشاط إداري أو عدد من الساعات المسجلة في النظام.
كلمة أخيرة:
في ظل مستقبل يتسم بالتخصص العالي والتحول الرقمي وتطورات الذكاء الاصطناعي لن تقاس قيمة الموظف بعدد الدورات المتراكمة في ملفه بل بقدرته على التعلم والتطبيق وحل المشكلات وصناعة النتائج.
ولهذا فلننتقل معًا من ثقافة كم شهادة لديك؟ إلى ثقافة ماذا تستطيع أن تفعل؟
فالتدريب ليس ترفًا إداريًا ولا إجراءً شكليًا بل هو استثمار مستدام في الإنسان والاقتصاد. والمملكة اليوم، بحجم إنفاقها الكبير وعنايتها بتنمية رأس المال البشري وتمكين كوادرها لا تحتاج إلى موظفين يحملون أوراقًا إضافية فحسب بل تحتاج إلى عقول وسواعد تملك المهارة الحقيقية التي تصنع الفارق وتحوّل الاستثمار في التدريب إلى إنتاجية وابتكار ونمو.