د. سامي بن عبدالله الدبيخي
استعرضت «مجلة الإيكونيميست» في عددها من الشهر المنصرم 23 أغسطس 2026، مقالا عن ضرورة إقامة مباني الأبراج في المدن الهندية مستشهدة لذلك بتجربة حيدر آباد التي ألغت كود معامل مساحة الطوابق (FSI) عام 2006. بدا القرار جنونياً في بلد يخشى مخططوه أي ارتفاع إضافي في المباني. اليوم، تحوّلت المدينة إلى ثاني أكبر تجمع لناطحات السحاب في الهند بعد مومباي، لكن بلا الفوضى المرورية التي توقعها معارضو المشروع بشدة. فهل يمكن أن تستلهم المدن السعودية من تجربة حيدر آباد؟ الجواب بالإيجاب من حيث المبدأ، لكن مع كثير من الحيطة والحذر في التفاصيل. العبرة من هذا المثال أن الكود العمراني ليس مقدّساً، بل أداة يجب أن تخدم غاية واضحة، وإن لم تخدمها فالأولى تفكيكها بذكاء لا التمسك بها من باب العادة.
وهناك تجارب أخرى من مدن بثقافات وأنظمة مختلفة قامت بتعديل بعض تشريعاتها العمرانية وأفضت لنتائج جد إيجابية. فقد فرضت أوكلاند بقرار مركزي واحد كثافة موحّدة تصل إلى 300 في المائة في مناطق واسعة من المدينة عام 2016 متجاوزة بذلك معارضة الأحياء المتفرقة. وكانت النتيجة انخفاض إيجارات وحدات الشقق ما بين 22 في المائة و35 في المائة بعد ست سنوات مقارنة بمسار افتراضي بلا إصلاح، وارتفعت أسعار المنازل في أوكلاند 20 في المائة فقط مقابل 65 في المائة في بقية نيوزيلندا خلال نفس الفترة. أما سيول، فاختارت رفع معامل مسطح البناء تدريجياً حتى 1.2 ضِعف الحد الأصلي في مشاريع إعادة التطوير، لكن مقابل التزام المطوّر بمساحة عامة مفتوحة أو مبانٍ صديقة للبيئة، لا كهبة مجانية بلا شرط.
إن هذه التجارب يمكن أن تشكل مصدر إلهام للكود العمراني السعودي. فالرياض مثلاً تمتلك نفس عناصر النجاح الموجودة في حيدر آباد وأوكلاند معاً، كالطرق الدائرية الجاهزة منذ سنوات ومحاور الطرق الجديدة، وشبكة المترو حديثة التشغيل، وجهة تخطيط مركزية واحدة لا مجالس بلدية متفرقة ومتنازعة كما في نيوزيلندا أو كوريا الجنوبية. هذا يعني عدم وجود أي تحديات او عقبات تقنية أو بنيوية تحول دون إجراء تعديلات جوهرية في الكود العمراني ليستجيب أكثر لمتطلبات التنمية وتحديات الاستدامة وليسهم بخطة التوسع والتحول الاقتصادي والسكاني للمدينة وتعزيز البعد الإنساني في البيئة العمرانية.
فالضابط الأساسي في النظام العمراني السعودي هو «نسبة البناء» وليس معامل مساحة الطوابق (FSI). إلا أنه رغم تعديل هذه النسبة إلى 75 في المائة للفلل و65-70 في المائة للعمائر عام 2024، فإنها لم تلمس جوهر المشكلة وهو سقف الارتفاع العام الذي يظل عند نحو أربعة أدوار أو 18 متراً في أغلب الأحياء السكنية، خارج مناطق مخصصة كالعصب التجاري بالرياض أو مشاريع «المربع الجديد» و»القدية». بعبارة أخرى، تركز ضوابط حيدر آباد على الكثافة الأفقية-الرأسية معاً، في حين تركز ضوابط الكود السعودي على الارتفاع نفسه بصرف النظر عن حجم قطعة الأرض. وهذا فرق جوهري يجعل نقل الوصفة الهندية حرفياً غير كافٍ ولا دقيق. البنية التحتية في الرياض ليست هي العائق الأساسي كما هو الحال في الهند. العائق الحقيقي هنا يكمن في ثقافة اجتماعية تُفضّل الفيلا المستقلة على البرج السكني، وأنظمة تملك أرض تشجّع التوسع الأفقي بدل التكثيف الرأسي، والتعامل مع الارتفاع بوصفه استثناءً تخطيطياً محدود النطاق لا قاعدة سوقية عامة.
إن الدروس المستفادة من هذه التجارب ليس في استيراد نموذج جاهز وتقليده حرفياً من سياق مغاير تماماً. فليس المطلوب التسرع بإلغاء سقف الارتفاع كما فعلت حيدر آباد، بل السؤال بداية عن الغاية الحقيقية من كل ضابط عمراني قبل التشبث به دفاعاً عن العادة لا عن المنطق مع ضرورة إعادة النظر في المبادئ الأساسية عند صياغتها. فلا ينبغي أن يصير التعمير الرأسي برفع الكثافات هدفاً لذاته بل نتيجة طبيعية لسوق أرض ونقل عام ناضجين بما يكفي. فالسماح بزيادة الارتفاعات يجب أن يُربط بجاهزية البنية التحية والمرافق وعدد السكان ويتم بشكل مرحلي تدريجي بداية بمحطات مترو محددة. وهنا فخّان يستحقان التنبيه: تحذّر أوكلاند من أن رفع الكثافة سيضخم قيمة الأرض بنسبة 20-25 في المائة قبل أن يؤثر في خفض أسعار المساكن والإيجارات بعد سنوات قد تطول، مما يعني عدم التسرع في انتظار النتائج. أما سيول فتنبّه إلى عدم منح استثناءات مجانية للمطورين ليجنوا أرباحاً طائلة من الأبراج بلا مقابل للمصلحة العامة وللمدينة. ينبغي ربط الرفع بمساهمة إلزامية في البنية التحتية أو المساحات العامة لتكون الصفقة متوازنة حقاً.