د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
في ظل الاعتداءات الآثمة التي استهدفت أمن المملكة واستقرارها، تتجدد حقيقة راسخة في وجدان أبناء هذا الوطن: أن أمن البلاد ومقدراتها ومقدساتها مسؤولية وطنية مشتركة، وأن قوة المملكة لا تقوم على ما تملكه من إمكانات فحسب، وإنما تستند إلى قيادة حكيمة، ومنظومة أمنية يقظة، وشعب واعٍ متلاحم مع قيادته.
وتزداد هذه المسؤولية أهمية حين تمتد التهديدات إلى محيط مكة المكرمة والمدن السعودية، بما تمثله هذه البلاد من مكانة دينية ووطنية، وبما تضطلع به المملكة من مسؤولية عظيمة في خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما. وفي مواجهة هذه التحديات، تظل المملكة، قيادةً وشعبًا، صفًا واحدًا في حماية أمنها، وصون مقدساتها، والدفاع عن مكتسباتها، والوقوف بحزم أمام كل من يحاول المساس باستقرارها.
إن الأحداث الأخيرة تؤكد أن الأمن الوطني ليس مهمة جهة واحدة، ولا مسؤولية قطاع بعينه، بل هو منظومة متكاملة تتضافر فيها جهود القيادة والأجهزة المختصة والمواطن والمقيم والإعلام الوطني، كلٌّ في مجاله، بما يعزز قدرة الوطن على مواجهة التحديات، ويحفظ أمنه واستقراره، ويصون نعمته ووحدته.
القيادة الحكيمة.. ركيزة الأمن ورعاية ضيوف الرحمن
تولي قيادة المملكة أمن الوطن ورعاية الحرمين الشريفين عنايةً بالغة، وقد سخّرت لذلك إمكانات كبيرة، وطورت منظومات متكاملة للتعامل مع مختلف التحديات، بما يكفل حماية المواطنين والمقيمين، ويصون أمن ضيوف الرحمن وسلامتهم. وتأتي هذه الجهود امتدادًا لمسؤولية المملكة في خدمة الحرمين الشريفين، وتأمين سبل الراحة والطمأنينة لملايين الحجاج والمعتمرين الذين يفدون إليها من مختلف أنحاء العالم. وفي مواجهة الاعتداءات التي تستهدف أمن المملكة، تظهر كفاءة المنظومة الأمنية في التعامل مع التهديدات، وسرعة الاستجابة لها، وحماية المدن والمرافق والسكان، بما يعكس يقظة الأجهزة المختصة واستعدادها الدائم. وهنا تتكامل مسؤولية القيادة مع جهود الأجهزة الأمنية والعسكرية والمدنية، في منظومة واحدة هدفها حماية الوطن وصون أمنه واستقراره.
وطنٌ شامخ يرفع راية التوحيد
راية التوحيد التي ترفرف فوق أرض المملكة ليست مجرد رمزٍ وطني، بل هي تعبير عن هوية هذا الوطن ومرجعيته وقيمه التي قامت عليها دولته منذ تأسيسها. وتحت هذه الراية توحدت البلاد، وترسخت دعائم أمنها واستقرارها، وأصبح الحفاظ على وحدتها ومقدساتها ومكتسباتها مسؤولية تتشارك فيها القيادة والشعب. ومن هذه الحقيقة الراسخة يستمد أبناء الوطن شعورهم بالانتماء والاعتزاز ببلادهم، والوقوف صفًا واحدًا في مواجهة كل ما يستهدف أمنها واستقرارها. فالمملكة، بما تمثله من مكانة دينية ووطنية، تستحق أن يلتف أبناؤها حول قيادتها، وأن يحافظوا على وحدتها ونسيجها الاجتماعي، وأن يواجهوا التحديات بالوعي والطمأنينة والثقة بقدرة وطنهم ومؤسساته على حماية أمنه ومقدراته.
الأمن مسؤولية مشتركة.. المواطن شريك لا متفرج
لا يقتصر الأمن الوطني على جهود الأجهزة المختصة، مهما بلغت كفاءتها واستعدادها، بل يقوم كذلك على وعي المجتمع وتعاون أفراده والتزامهم بالمسؤولية الوطنية. فالمواطن الواعي يدرك أن المحافظة على أمن الوطن تبدأ بالالتزام بالأنظمة والتعليمات، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، والابتعاد عن نشر الشائعات، والإبلاغ عن أي أمر يثير الشبهة عبر القنوات الرسمية، بما يسهم في دعم جهود الجهات المختصة وحماية المجتمع.
وفي أوقات التحديات الأمنية تزداد أهمية هذا الدور؛ فوعي المواطن والمقيم، وهدوءه، وثقته بالمعلومات الصادرة من الجهات الرسمية، وعدم الانسياق وراء الشائعات أو الرسائل المضللة، كلها عناصر تسهم في تعزيز الأمن المجتمعي. فالوطن لا تحميه المنظومات الأمنية وحدها، وإنما يحميه أيضًا وعي أبنائه، وتماسك مجتمعه، وشعور أفراده بأنهم شركاء في المحافظة على أمنه واستقراره.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن يكون كل فرد عنصرًا في منظومة الأمن، ملتزمًا بدوره، واعيًا بما ينشر ويتداول، ومتعاونًا مع الجهات المختصة، لتبقى المملكة، قيادةً وشعبًا، صفًا واحدًا في مواجهة التحديات وصون أمن الوطن ومقدراته.
أبناء الوطن.. ولاءٌ راسخ ووحدةٌ تحمي الوطن
منذ تأسيس هذه البلاد المباركة، ارتبط أمنها واستقرارها بوحدة القيادة والشعب، وبالتمسك بالثوابت التي قامت عليها الدولة، وفي مقدمتها عقيدتها ووحدتها الوطنية. وقد أسهم هذا التلاحم في بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات، والوقوف بثبات أمام ما يستهدف أمن البلاد ومقدراتها.
واليوم، ومع الاعتداءات الأخيرة التي طالت عددًا من مدن المملكة، تتجدد صور هذا التلاحم الوطني، فيقف أبناء الوطن صفًا واحدًا خلف قيادتهم، مستشعرين مسؤوليتهم في حماية وطنهم، والوقوف إلى جانب مؤسساته المختصة، والمحافظة على أمنه واستقراره. كما أن ما تتمتع به المملكة من مكانة دينية، واحتضانها للحرمين الشريفين، يجعل المحافظة على أمنها واستقرارها مسؤولية عظيمة تتجاوز حدودها الوطنية إلى خدمة المسلمين وقاصدي الحرمين من مختلف أنحاء العالم.
إن الولاء للوطن والقيادة لا يقتصر على المشاعر وحدها، بل يتحول في أوقات التحديات إلى وعيٍ ومسؤولية والتزام، وإلى وقوفٍ صادق مع مؤسسات الدولة، وثقةٍ بما تتخذه من إجراءات لحماية البلاد وصون مقدساتها ومقدراتها.
الإعلام الوطني.. صوتٌ يعزز الوعي ويحمي الأمن
في ظل سرعة تداول المعلومات واتساع تأثير المنصات الرقمية، يبرز دور الإعلام الوطني بوصفه شريكًا مهمًا في تعزيز الوعي وحماية المجتمع من الشائعات والمعلومات المضللة. فالإعلام لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يسهم في بناء الوعي العام، وترسيخ القيم الوطنية، وتقديم المعلومات الموثوقة التي تساعد المجتمع على التعامل مع الأحداث الأمنية بهدوء ومسؤولية.
وتزداد أهمية هذا الدور في أوقات الأزمات والتحديات؛ إذ يسهم الإعلام الوطني، بمؤسساته ومنصاته المختلفة، في نقل البيانات الصادرة عن الجهات المختصة، وتوضيح الحقائق، والحد من تداول الأخبار غير الموثوقة، وتعزيز الثقة بالمصادر الرسمية. كما يمكنه أن يبرز جهود القيادة والأجهزة المختصة، ويوجه المجتمع إلى السلوك المسؤول الذي يسهم في حماية الأمن والاستقرار.
وهكذا تتكامل منظومة الأمن الوطني: قيادة ترسم السياسات وتدعم مؤسسات الدولة، وأجهزة مختصة تضطلع بمهام الحماية والاستجابة، ومواطن ومقيم يتحليان بالوعي والمسؤولية، وإعلام وطني يسهم في إيصال المعلومة الموثوقة وتعزيز التماسك المجتمعي.
الدعاء للوطن.. قيمةٌ روحية تعزز الانتماء
يبقى الدعاء للوطن وقيادته من أصدق صور المحبة والوفاء؛ فهو تعبير عن نعمة الأمن والاستقرار، وعن ارتباط المواطن بوطنه وحرصه على دوام الخير له. وفي أوقات التحديات، تتجدد هذه المشاعر في الدعاء بأن يحفظ الله المملكة وقيادتها، ويديم عليها أمنها واستقرارها ورخاءها، ويحفظ مقدساتها، ويوفق رجالها المخلصين في أداء واجباتهم وحماية الوطن ومقدراته.
وما أحوجنا، ونحن نواجه التحديات، إلى أن نجمع بين الدعاء والعمل، وبين مشاعر الانتماء والمسؤولية؛ فمحبة الوطن لا تُقال بالكلمات وحدها، وإنما تُترجم إلى وعيٍ والتزامٍ وتعاونٍ، وإلى حرصٍ على أمنه ووحدته واستقراره.
الخاتمة
يبقى الوطن شامخًا بتلاحم قيادته وشعبه، وبقوة مؤسساته، ووعي أبنائه، وتمسكهم بوحدته وأمنه واستقراره. وما تواجهه المملكة من تحديات يزيدنا يقينًا بأن أمن الوطن مسؤولية مشتركة، وأن الوقوف صفًا واحدًا خلف القيادة، والثقة بالجهات المختصة، والالتزام بالتوجيهات الرسمية، والابتعاد عن الشائعات، كلها صور من صور المواطنة الصادقة.
وستظل المملكة، بإذن الله، واثقة بقدرتها على حماية أمنها ومقدساتها ومقدراتها، ماضية في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، مستندة إلى قيادة حكيمة، وأجهزة يقظة، وشعب متلاحم، وإعلام مسؤول.
نسأل الله تعالى أن يحفظ سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو سيدي ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وأن يحفظ بلادنا من كل سوء ومكروه، ويديم عليها أمنها واستقرارها ورخاءها، ويحفظ مقدساتها، وينصر جنودها ورجال أمنها، ويوفقهم لكل ما فيه خير الوطن والمواطن، وأن يرد كيد المعتدين في نحورهم، ويحفظ المملكة وقيادتها وشعبها من كل سوء.
** **
- أستاذ الدراسات العليا بقسم الدعوة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا